شبل الزغبي
لم تهاجم إسرائيل لبنان يوماً كدولةٍ تستهدف شعبه أو تطمع بأرضه، بل كانت في كلّ مرةٍ تُشعَل فيها جبهةٌ جنوبية تردُّ على سلاحٍ غريب أطلقه فلسطينيٌّ أراد من لبنان وطناً بديلاً، أو سوريٌّ أراد منه محافظةً تابعة، أو إيرانيٌّ يريد منه اليوم ساحةَ حربٍ مفتوحة ومرتكزاً استراتيجياً على المتوسط. وإسرائيل نفسها، التي يُصوّرها بعض اللبنانيين خطراً وجودياً، هي من طرد ياسر عرفات ومسلّحيه عام اثنين وثمانين، مُنقذةً بذلك الكيانَ اللبناني من مشروع التوطين والتصفية على حسابه. أما اليوم فالمشهد يتكرّر: إسرائيل تضرب منظومة حزب الله ضربةً قد تُحرّر لبنان من أخطبوطٍ عسكريٍّ دينيٍّ إرهابيٍّ متطرف أمسك بخناقه أربعين سنة.
فمن هو العدوّ إذن؟
العدوّ هو من يُسكن مقاتليه في أحيائك ويجعل من أطفالك دروعاً بشرية. العدوّ هو من يُهرّب الأسلحة عبر مطارك ويُحوّل جنوبك إلى قاعدة عمليات لحسابات طهران. العدوّ هو من يسرق قرار الحرب والسلم من دولتك ويُطلق الصواريخ باسمك دون أن يسألك. العدوّ هو من يُعطّل انتخاب رئيسٍ لسنوات، ويُفجّر المرفأ، ويخزّن مستودعات الموت في قلب عاصمتك فوق رؤوس ساكنيها، ثم يطلب منك أن تشكره على “المقاومة”.
غير أن هذا العدوّ المسلّح لم يكن ليتجذّر في جسد الدولة لولا شركاؤه من الداخل: منظومة الفساد السياسي التي نهبت جنى أعمار اللبنانيين على مدى عقود. هؤلاء الزعماء والمصرفيون وأمراء الطوائف الذين سرقوا الودائع وأفلسوا الخزينة وأذلّوا نخب المجتمع وأجبروا شباب الوطن على الهجرة، هم شركاء الجريمة بامتياز. والعدوّ الداخلي أشدُّ خطراً من الخارجي لأنه يضرب من حيث لا تتوقع: يرتدي ثوب الزعامة ويتكلّم بلغة الوطن بينما يبيعه في الخفاء. حزب الله ومنظومة الفساد وجهان لعملةٍ واحدة، أحدهما يُخضع لبنان بالسلاح والآخر يُفرغه بالسرقة، وكلاهما يحتاج إلى فوضى الدولة الضعيفة كي يعيش ويزدهر.
أما نظرية العدوّ الإسرائيلي فهي الأداة الأمضى في ترسانة إيران الأيديولوجية. بها تُسوّغ وجود ميليشيا مسلّحة تفوق الجيش الوطني عديداً وعتاداً، وبها تُبقي لبنان رهينةً في خدمة مشروع الولي الفقيه، فيما يُكمل الفاسدون مهمّتهم بتعطيل كلّ مؤسسةٍ قادرة على بناء دولةٍ حقيقية.
حين يُقنعك أحدهم بأن الجهل فضيلة، وأن الطاعة وعي، وأن السؤال خيانة، يكون قد ربح المعركة قبل أن تبدأ. المجتمعات لا تنهار حين تُهزم عسكرياً، بل حين تُبرمج عقولها على قبول منطق القطيع. هذا العدوّ أخطر من أي احتلال: يجعلك تحرس سجنك بنفسك، وتخاف من حريتك، وتهاجم من يحاول إيقاظك.
حان الوقت للخروج من وهم العدوّ المرسوم بأيدٍ فارسية وأصابع ناهبة. المصلحة الوطنية لا تُقاس بمن يُعلن العداء لإسرائيل بأعلى صوت، بل بمن يُحاسب السارق ويُجرّد الميليشيا ويبني دولةً ذات سيادة حقيقية. هذا العدوّ لا يأتي من الخارج، بل يُزرع فيك ويكبر معك ويتغذّى على خوفك. فمتى تقرّر أن تتحرّر؟













04/18/2026 - 06:17 AM





Comments