رسالة ثانية مفتوحة إلى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون

04/18/2026 - 05:36 AM

Atlantic home care

 

 

فخامة الرئيس،

عطفاً على رسالتي السابقة الموجّهة إلى فخامتكم بتاريخ 11 آذار 2026، والتي تناولتُ فيها مخاطر المرحلة واحتمالات تحوّلها إلى لحظة جيوسياسية مفصلية، أضع بين أيديكم هذه المراسلة استكمالاً لذلك الطرح في ضوء التطورات اللاحقة.

وقد خلصت الرسالة الأولى إلى التأكيد على ضرورة توحيد القرار الوطني ضمن مرجعية الدولة، وأهمية تحويل عناصر القوة القائمة على الأرض إلى رافعة تفاوضية تُدار ضمن استراتيجية وطنية جامعة.

في ضوء كلمتكم الموجّهة إلى اللبنانيين مساء أمس، وما حملته من دعوة إلى التماسك الوطني ومواجهة التحديات بروح المسؤولية، تبرز الحاجة إلى مقاربة تقييمية صريحة تواكب هذه الدعوة وتبني عليها.

تفرض المرحلة التي مرّ بها لبنان بين آذار ونيسان 2026 قراءة هادئة تقوم على الوقائع والمعايير الموضوعية.

هنا، يمكن تسجيل ملاحظة أساسية مفادها أنّ الأداء الرسمي خلال تلك الفترة عكس غياب السعي إلى التوفيق بين الاعتبارات الداخلية الحساسة والضغوط الخارجية.

فعلى الصعيد الدبلوماسي، ورغم تمسّك لبنان تقليدياً بالمرتكزات القانونية الدولية، ولا سيما ما يرتبط بتطبيق قرار مجلس الأمن 1701، برزت ملاحظات حول محدودية فعالية الخطاب الرسمي في المحافل الدولية خلال ذروة التصعيد، خصوصًا لجهة عدم الوضوح في توصيف الانتهاكات الإسرائيلية ومخالفتها للقانون الدولي الإنساني ومواثيق الأمم المتحدة. يطرح ذلك تساؤلاً مشروعاً حول مدى كفاية الطرح اللبناني وأدواته الدبلوماسية وقدرته على حشد الدعم الدولي في تلك اللحظة الحرجة.

وفي الإطار القانوني، يكتسب تفعيل الآليات الوطنية أهمية مضاعفة في أوقات النزاع. من هذا المنطلق، فإن التأخير الذي حصل في تحريك الأطر المختصة، مثل اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني، أو في توثيق الانتهاكات الإسرائيلية بشكل منهجي، انعكس حكماً على قدرة لبنان في بناء ملف قانوني متماسك يمكن الاستناد إليه دولياً وفي المفاوضات المباشرة.

كما أن الاستفادة من مواقف الخبراء الدوليين والدراسات المتخصصة المنشورة منذ بداية الحرب، لجهة تحديد مسؤولية إسرائيل في ارتكاب المخالفات في حربها على لبنان، كانت لتشكّل رافعة إضافية لو تم توظيفها بصورة فعالة ضمن استراتيجية متكاملة، لكن لبنان تجاهل ذلك بالكامل.

أما داخلياً، فقد تزامن التصعيد العسكري مع مقاربة مبتورة لمسألة السلاح خارج إطار الدولة. إنّ إدارة هذا الملف خلال النزاع كانت تتوجب دقة عالية، نظراً لما يحمله من حساسية داخلية وانعكاسات مباشرة على وحدة الموقف الوطني. في هذا الإطار، إنّ الخطاب السياسي لم ينجح في تحقيق التوازن المطلوب بين تثبيت الموقف السيادي للدولة والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الداخلي، بل ساهم هذا الخطاب السياسي الرسمي بالذات في شرخ وانقسام المجتمع.

إذ لا يمكن إغفال البعد الميداني، حيث أظهرت المواجهة أن هناك وقائع عسكرية فرضت نفسها على مسار الأحداث، وأسهمت في التأثير على حسابات الأطراف المختلفة ولا سيما إسرائيل باعتراف مسؤوليها. غير أنّ التقييم اللبناني الرسمي الإيجابي لهذه المقاومة لم يتم، بل الموقف الرسمي تبنّى، وما زال يتبنّى، أحكامًا قطعية ويحصرها بتنفيذ أجندات خارجية.

المطلوب اليوم قراءة وطنية شاملة تعترف بالتضحيات، وفي الوقت نفسه تضعها ضمن إطار الدولة ومؤسساتها.

إقليمياً، يشهد الشرق الأوسط تحولات متسارعة قد تعيد رسم توازنات القوى نحو مرحلة نمو وازدهار. وفي هذا السياق، يبرز دور إيران كفاعل إقليمي أساسي، إلى جانب تفاعل معقّد مع قوى إقليمية ودولية من بينها الولايات المتحدة وإسرائيل قد تنتج شراكات اقتصادية وتجارية مباشرة في مجالات محددة. إلا أنّ هذه التحولات لا تزال في طور التشكل، ما يفرض على لبنان اعتماد سياسة خارجية مرنة ومتوازنة، تقوم على تنويع العلاقات وتفادي الارتهان لمحور واحد، بما يحفظ مصالحه الوطنية وخصوصيته وتركيبته الاجتماعية، ويعزز موقعه التفاوضي.

فخامة الرئيس،

إن المرحلة المقبلة تقتضي مقاربة أكثر تكاملاً، تقوم على:

أولاً: تفعيل الأدوات الدبلوماسية والقانونية بشكل متزامن ومنهجي، والإسراع في توثيق وتسجيل المخالفات الإسرائيلية للقانون الدولي الإنساني ومواثيق الأمم المتحدة ليصار إلى استخدامها في المفاوضات المباشرة.

ثانيًا: تطوير خطاب رسمي واضح وقادر على الجمع بين حشد الدعم الدولي وتوحيد المجتمع الداخلي.

ثالثًا: إدارة الملفات الخلافية الداخلية بحساسية عالية تحفظ الاستقرار وتجمع اللبنانيين بكل فئاتهم.

رابعًا: اعتماد سياسة خارجية متوازنة تستفيد من التحولات الإقليمية دون الانزلاق إلى محاور وهي في الطريق إلى زوال، أو التموضع في مواجهة إيران بينما العالم بقيادة الولايات المتحدة يتجه إلى الشراكة معها.

إن التحدي يكمن في إدارة الأزمات من خلال تحويلها إلى فرصة لإعادة تثبيت دور الدولة وتعزيز ثقة اللبنانيين بها، كل اللبنانيين دون استثناء، بما يؤسس لمرحلة أكثر استقراراً وفعالية في مواجهة الاستحقاقات المقبلة.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

جبران الخوري

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment