بقلم الخوري الدكتور نبيل مونس
«وَإِنْ كَانَ مِنَ اللهِ فَلَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَنْقُضُوهُ، لِئَلَّا تُوجَدُوا مُحَارِبِينَ للهِ أَيْضًا» (أع 5: 39).
بهذه الكلمات النبوية التي نطق بها غمالائيل، معلّم الناموس، يضع الكتاب المقدّس أمامنا قاعدة روحية وتاريخية لا تتبدّل: ما كان من الله يبقى، وما خرج من مشيئته يثبت، وما تأسّس على صخرته لا تهزّه عواصف الزمن.
دعوة إلى فهم الحقيقة قبل الحكم عليها
إنّ كل قارئ ومفكّر في عالم الأديان مدعوّ إلى بلوغ هذا الإدراك العميق: ليست المسيحية مجرّد منظومة فكرية أو حركة اجتماعية، بل هي حياةٌ انسكبت في العالم من قلب الله نفسه. ومن لا يفهم هذا البعد، يظلّ يقرأ التاريخ بعينٍ ناقصة، ويقيس الأمور بموازين بشرية عاجزة عن إدراك سرّ الله في الزمن.
عبر العصور، كل أمّة أو قائد أو منظومة حين تظنّ أنها بلغت القوّة، تتوهّم أنها قادرة على أن تُخمد نور المسيح، أو أن تُطفئ الشمعة الوديعة التي تنير العالم، أو أن تعيد حجر القبر إلى موضعه، كأن القيامة حدث يمكن التراجع عنه.
كم من إمبراطور حاول، وكم من نظام اضطهد، وكم من فكرٍ أعلن موت الإيمان.
ومع ذلك، بقيت الكنيسة واقفة، لا بقوّة أبنائها، بل بقوّة ذاك الذي قال: «ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر».
سرّ الثبات: المسيح الحيّ، لا المؤسسات
مرّ ألفا عام، وربما تلحقها آلاف أخرى، ومع ذلك لم تنطفئ حياة المسيح على الأرض. لماذا؟
لأنّ المسيح ليس ذكرى، بل شخص حيّ.
ولأنّ القيامة ليست رواية، بل حدثٌ غيّر وجه التاريخ.
ولأنّ الكنيسة ليست مؤسسة بشرية، بل جسدٌ سريّ وُلد من الماء والروح.
لا الأموال، ولا الحروب، ولا الاضطهاد، ولا الفلسفات المتقلّبة استطاعت أن تُطفئ نور الحق.
لم تُخمدها قوة، ولم يبتلعها عنف، ولم تفترسها ذئاب الحضارات.
ما الذي يحفظ الكنيسة؟
إنه هو نفسه:
الذي مات وقام،
وأعطاها في المعمودية جسدًا سريًا،
وروحًا قدوسًا لا يزول،
ودمًا حيًا يجري في عروقها المنظورة وغير المنظورة،
فيجدّدها، ويغفر خطاياها، ويشفي جراحها، ويروي العالم بخلاصٍ وحريةٍ ووحدةٍ لا تتجزأ في جسد المسيح يسوع الممجّد.
إن ما فيها، وفي المؤمنين بها، هو من الله. ولذلك لا يمكن أن يُنقَض، ولا أن يُلغى، ولا أن يُمحى من الوجود.
ليست أيديولوجيا… بل واقع تاريخي
المسيحية ليست مشروعًا بشريًا، ولا حركة فكرية عابرة، ولا أيديولوجيا تتبدّل مع الزمن. إنها واقع تاريخي موضوعي، يشهد له الزمن، وتؤكّده الشعوب، وتثبته التجارب، رغم كل مقاومة.
نداء إلى المسؤولين عبر التاريخ
نداءً إلى كل مسؤول، وكل صاحب سلطة، وكل من يظنّ أنه قادر أن يوقف مسيرة الله في العالم: «تَنَحَّوْا عَنْ هَؤُلَاءِ النَّاسِ وَاتْرُكُوهُمْ، لأَنَّهُ إِنْ كَانَ هَذَا الرَّأْيُ أَوْ هَذَا الْعَمَلُ مِنَ النَّاسِ فَسَوْفَ يَنْتَقِضُ. وَإِنْ كَانَ مِنَ اللهِ فَلَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَنْقُضُوهُ، لِئَلَّا تُوجَدُوا مُحَارِبِينَ للهِ أَيْضًا» (أع 5: 38-39).
في عالمٍ يتغيّر بسرعة، تبقى هذه الحقيقة ثابتة:
ما كان من الله لا يُهزَم.
وما خرج من قلبه لا يزول.
وما وُلد من قيامته يبقى حيًا إلى الأبد.













04/17/2026 - 15:24 PM





Comments