د. إدريس أحميد
في بلدٍ اعتاد أن يكون ساحةً للحروب أكثر منه ساحةً للحلول، جاء إعلان الرئيس الاميركي دونالد ترامب وقف إطلاق النار في لبنان ليطرح أسئلة أعمق مما يقدم من إجابات. فبعد أشهر من التصعيد العسكري، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية سقوط 2196 قتيلًا و7185 جريحًا منذ مطلع مارس، في حصيلة تعكس حجم الكلفة الإنسانية التي دفعت باتجاه قبول الهدنة، ولو بشكل مؤقت.
لكن هذا التطور لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، إذ يتقاطع مع مسار التهدئة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، في انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات الجارية بين الطرفين. وهكذا، يعود لبنان مجددًا ليكون ساحة اختبار لتوازنات إقليمية ودولية تتجاوز حدوده الداخلية.
تاريخيًا، لم يكن المشهد جديدًا على لبنان. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، مرورًا باجتياح بيروت عام 1982، ظل البلد ساحة مفتوحة للصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية، ما رسّخ واقعًا سياسيًا هشًا يتأثر سريعًا بأي تحول إقليمي.
في المرحلة الراهنة، ومع تداعيات «طوفان الأقصى»، دخل حزب الله على خط المواجهة مع إسرائيل، فاتحًا جبهة إسناد من جنوب لبنان. ورغم الضربات التي تلقاها، أظهرت المواجهات أن الحزب ما زال يحتفظ بقدرة على الرد والمناورة، الأمر الذي أربك التقديرات الإسرائيلية التي راهنت على تراجع قدراته.
غير أن وقف إطلاق النار المطروح لا يبدو تسوية نهائية، بل هدنة مشروطة تقوم على جملة من المرتكزات، أبرزها إنشاء منطقة عازلة جنوبًا حتى نهر الليطاني، وضمان حرية العمل العسكري الإسرائيلي، إضافة إلى الدفع نحو نزع سلاح حزب الله في إطار قرار مجلس الأمن رقم 1701. غير أن هذه الشروط تصطدم برفض واضح من الحزب الذي يعتبر سلاحه عنصر ردع أساسي في مواجهة إسرائيل.
وفي المقابل، تعكس هذه الطروحات محاولة لإعادة تشكيل ميزان القوى داخل لبنان، أكثر من كونها ترتيبات أمنية مؤقتة، ما يزيد من تعقيد المشهد ويضع مستقبل الاتفاق على المحك.
لكن الأزمة لا تقتصر على البعد الخارجي، بل تمتد إلى الداخل اللبناني، حيث يكمن جوهر المشكلة في انقسام عميق حول مفاهيم أساسية مثل الدولة والسيادة والعدو. فبينما تتفق غالبية اللبنانيين على أن إسرائيل تمثل تهديدًا تاريخيًا استنادًا إلى تجارب طويلة من الصراع، يختلفون حول آلية المواجهة.
فريق يرى أن المقاومة المسلحة ضرورة لحماية البلاد، في حين يعتبرها فريق آخر عبئًا على الدولة ومصدرًا لاضطراب داخلي دائم. وبين هذين الموقفين، تتسع فجوة الثقة داخل المجتمع اللبناني، لتتحول إلى أحد أبرز عوامل الأزمة.
وتزداد هذه الفجوة تعقيدًا مع قناعة لدى شريحة واسعة بأن إسرائيل تسعى إلى استثمار الانقسام الداخلي وتعميقه، بما يفتح الباب أمام اضطرابات داخلية. في المقابل، ترى أطراف أخرى أن استمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة قد يشكل بحد ذاته عامل تهديد للاستقرار الداخلي.
وتنعكس هذه الانقسامات على المشهد السياسي، خصوصًا مع احتمال تعطل عمل الحكومة في حال انسحاب وزراء حزب الله وحركة أمل، ما يفاقم حالة الشلل المؤسسي في بلد يعاني أصلًا من أزمة اقتصادية خانقة.
وعلى مستوى المفاوضات، تبدو الفجوة واضحة بين الأطراف. فإسرائيل تنظر إلى التفاوض كفرصة لإعادة تشكيل الواقع الأمني والسياسي داخل لبنان وتقليص نفوذ حزب الله، بينما يركز الجانب اللبناني على وقف الحرب وتجنب الانهيار الداخلي دون الدخول في تغييرات بنيوية في التوازنات القائمة.
في المحصلة، يبقى وقف إطلاق النار خطوة هشة لا ترقى إلى مستوى الحل النهائي. فلبنان اليوم يقف أمام معادلة معقدة تجمع بين ضغط الخارج وانقسام الداخل، في ظل غياب توافق وطني واضح حول مفهوم الدولة وحدود السيادة وأدوات الدفاع.
وبينما تتوقف البنادق مؤقتًا، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمثل هذا الاتفاق بداية استقرار حقيقي، أم مجرد هدنة مؤقتة في صراع لم تنضج بعد شروط نهايته؟













04/17/2026 - 09:01 AM





Comments