هدنة في الخارج… تصعيد في الداخل

04/17/2026 - 07:28 AM

Prestige Jewelry

 

 

سيلفانا سمعان

عند منتصف الليل أُعلن وقف إطلاق النار. نظريًا، كان يُفترض أن يفتح ذلك مرحلة تهدئة على الحدود الجنوبية، وأن ينعكس تدريجيًا داخل الداخل اللبناني. غير أن ما ظهر في الساعات التي تلت الإعلان، وفي تزامن لافت مع مؤتمر في بيروت يدعو إلى حصرية السلاح بيد الدولة، يُقرأ ضمن منطق مختلف.

في بيروت ومناطق من البقاع، سُجّلت تحركات وإطلاق نار تزامن مع لحظة سياسية حساسة أعادت طرح ملف السلاح خارج إطار الدولة. يصعب التعامل مع هذا التزامن بوصفه حدثًا عرضيًا بمعزل عن السياق، ليس بسبب الحدث بحد ذاته، بل بسبب تكرار نمط مشابه كلما عاد النقاش حول احتكار الدولة لاستخدام القوة إلى الواجهة.

على مدى سنوات، لم يكن النقاش حول السلاح في لبنان محصورًا داخل المؤسسات السياسية أو ضمن مسار تفاوضي هادئ. في كل مرة يُفتح فيها هذا الملف، يظهر في المقابل سلوك ميداني يعيد تثبيت ميزان القوى القائم. هذا التوازي بين المسار السياسي والمسار الميداني لا يعمل كاستثناء، بل يمكن قراءته كآلية ضبط غير معلنة لإيقاع النقاش نفسه.

هذا النمط لا يُفهم فقط بوصفه اختلافًا بين خطاب سياسي وواقع أمني. الأعمق من ذلك أن لبنان يعيش حالة بنيوية من تعدد مصادر القوة. في النموذج الكلاسيكي للدولة، يفترض أن يكون استخدام القوة محصورًا بالمؤسسات الرسمية. غير أن هذا الاحتكار في الحالة اللبنانية ليس مكتملًا، إذ تتشارك الدولة هذا الدور مع قوى مسلحة تمتلك قدرة مستقلة على الفعل والردع، مرتبطة بسياقات إقليمية وبنية عسكرية تتجاوز الإطار الداخلي.

ضمن هذا السياق، يصبح التوقيت عنصرًا سياسيًا بحد ذاته. ليس السؤال فقط ماذا يحدث، بل أيضًا متى يحدث. فكلما أعيد طرح مسألة حصرية السلاح أو تعزيز سلطة الدولة، يظهر في المقابل ما يمكن قراءته كإعادة تثبيت للوقائع القائمة، بما يحدّ من هامش التحول السياسي قبل أن يتبلور.

الأثر الأساسي لهذا النمط لا يظهر في تعطيل المبادرات السياسية بشكل مباشر، بل في إعادة تشكيل سقوفها منذ لحظة ولادتها. أي نقاش حول إعادة تنظيم السلطة الأمنية لا يُمنع بالضرورة، لكنه يُحاط عمليًا بإعادة إنتاج ميزان القوة على الأرض، بحيث يصبح الانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى التنفيذ أكثر تعقيدًا.

اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل، في هذا الإطار، لا يمكن قراءته بمعزل عن بنيته الجزئية. فهو ينظّم جانبًا من العنف على جبهة محددة، لكنه لا يعالج بالضرورة البنية الداخلية لتعدد مراكز القوة. وهنا تتسع الفجوة بين وقف إطلاق نار كأداة إقليمية، وبين واقع داخلي لا يخضع لنفس منطق الضبط.

هذه الفجوة ليست طارئة. منذ عقود، يتكرر في لبنان نمط تفكك جزئي للسيادة: الدولة قائمة كمؤسسة سياسية وقانونية، لكنها لا تحتكر وحدها أدوات فرض القرار في كل المجالات. في المقابل، تتعايش معها قوى مسلحة تمتلك قدرة مستقلة على الردع والتحرك ضمن حسابات لا تتطابق دائمًا مع حسابات الدولة.

هذا الوضع لا ينتج فقط ازدواجية في القرار، بل أيضًا ازدواجية في تعريف الاستقرار نفسه. ما يُفترض أنه تهدئة من منظور الدولة، قد يُقابل بمنطق ميداني مختلف يهدف إلى تثبيت شروط التوازن القائم، لا إلى إعادة صياغته.

في المحصلة، لا تكمن الإشكالية في غياب الاتفاقات أو المبادرات السياسية، بل في غياب بنية احتكارية واضحة وموحدة لاستخدام القوة قادرة على تحويل هذه الاتفاقات إلى واقع شامل ومتجانس. طالما بقيت أدوات القوة موزعة بين أكثر من مركز، ستبقى التهدئات جزئية بطبيعتها، وستظل محاولات إعادة تعريف قواعد اللعبة السياسية محكومة بسقف القوة الفعلي على الأرض.

بكلمات أخرى، ليست الإشكالية في غياب النصوص، بل في غياب جهة وحيدة قادرة على تحويل النص إلى واقع واحد بدل واقعين متوازيين.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment