نهلة الضويحي
الأمان العاطفي… الجذر الخفي الذي يصنع شخصية الطفل.
ليس كل طفل هادئ طفلًا مطمئنًا،
وليس كل طفل مطيع يعيش توازنًا نفسيًا صحيًا.
ففي كثير من الأحيان، يخفي الهدوء خوفًا لا يُرى،
وتكون الطاعة المفرطة محاولة صامتة لتجنب الرفض أو العقاب.
وهنا تتكشف حقيقة تربوية عميقة يغفل عنها الكثيرون:
الأمان العاطفي ليس تفصيلًا إضافيًا في التربية، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه نفسية الطفل وسلوكه وعلاقاته.
الأمان العاطفي هو ذلك الشعور الداخلي الذي يمنح الطفل يقينًا بأنه محبوب دون شروط، ومقبول كما هو، ومسموع حتى عندما يعجز عن التعبير. هو الإحساس الذي يسمح له بأن يكون على طبيعته دون خوف من فقدان الحب، وأن يعبّر عن مشاعره دون أن يُقابل بالرفض أو السخرية. وهذا الشعور لا يتشكل عبر العبارات الإيجابية فقط، بل يتكون من خلال تكرار التجارب اليومية التي يجد فيها الطفل استجابة دافئة وثابتة من والديه.
تشير أبحاث علم النفس التنموي، خاصة في إطار نظرية التعلق، إلى أن العلاقة المبكرة بين الطفل ومقدم الرعاية لا تؤثر فقط على سلوكه في الحاضر، بل تشكل رؤيته لنفسه وللعالم. فالطفل الذي ينشأ في بيئة تستجيب لمشاعره بحساسية واتزان، يطور شعورًا داخليًا بالأمان، وينمو وهو يرى العالم مكانًا يمكن الوثوق به. في المقابل، قد يكبر الطفل الذي يفتقد هذا الاحتواء وهو يحمل قلقًا خفيًا، أو حاجة مستمرة للطمأنينة من الخارج، لأنه لم يجدها مستقرة في داخله.
وعندما يتوفر الأمان العاطفي، تظهر آثاره بوضوح في سلوك الطفل. يصبح أكثر قدرة على التعبير عن مشاعره دون خوف، وأكثر ثقة في اللجوء إلى والديه عند الحاجة. يتعامل مع محيطه بفضول ورغبة في الاستكشاف، وينخرط في علاقاته بشكل طبيعي، دون مبالغة في التعلق أو انسحاب. كما تتطور لديه تدريجيًا القدرة على تهدئة نفسه، ويشعر بقيمته، ويستطيع تقبل التوجيه دون مقاومة حادة، لأنه لا يفسره كتهديد لعلاقته مع من يحب.
هذا التوازن لا يتكون صدفة، بل هو نتيجة ممارسات يومية دقيقة. فالطفل حين يمر بمشاعر قوية كالغضب أو الحزن، لا يتعلم من الموقف ذاته بقدر ما يتعلم من طريقة استجابة والديه. إذا قوبلت مشاعره بالتقليل أو التجاهل، يتعلم أن يخفيها أو يخجل منها. أما إذا قوبلت بالفهم والاحتواء، فإنه يدرك أن مشاعره مقبولة، وأنه قادر على التعامل معها دون أن يفقد مكانته أو حب الآخرين له.
الاحتواء لا يعني الموافقة على كل سلوك، بل يعني الفصل بين المشاعر والسلوك. يمكن رفض التصرف الخاطئ، دون أن يشعر الطفل بأنه مرفوض كشخص. هذه الرسالة الدقيقة تصنع فرقًا عميقًا في تشكيل صورته عن نفسه، وتمنحه الأمان الذي يحتاجه ليُخطئ ويتعلم دون خوف.
كما أن وضوح القواعد وثباتها يمثلان عنصرًا أساسيًا في بناء هذا الأمان. فالطفل لا يشعر بالراحة في الفوضى أو التذبذب، بل يحتاج إلى حدود واضحة ومتسقة تمنحه إحساسًا بالاستقرار. القسوة لا تصنع الانضباط الحقيقي، كما أن التساهل المطلق لا يبني شخصية متزنة. التوازن بين الحزم والدفء هو ما يخلق بيئة يشعر فيها الطفل بالأمان والوضوح في آن واحد.
ومن أهم ما يعزز هذا الأمان هو الاستماع الحقيقي. حين يجد الطفل من ينصت إليه باهتمام، دون مقاطعة أو استهزاء، يدرك أن صوته مهم وأن مشاعره تستحق الاهتمام. ومع تكرار هذه التجربة، تتشكل لديه القدرة على فهم ذاته والتعبير عنها بثقة، بدل أن يكبتها أو يضطرب بسببها.
في ضوء ما تكشفه الدراسات الحديثة في علم الأعصاب، يتضح أن الطفل لا يولد مزودًا بقدرة مكتملة على تنظيم مشاعره، بل يكتسب هذه القدرة تدريجيًا من خلال علاقته بالبالغين. فعملية التهدئة تبدأ كتجربة مشتركة بين الطفل ومقدم الرعاية، حيث يتعلم من خلال الاحتواء كيف يهدأ، ثم تتحول مع الوقت إلى مهارة داخلية. ولهذا، فإن لحظات الانفعال ليست أوقاتًا للعقاب أو الأوامر، بقدر ما هي فرص لبناء مهارة سيحملها الطفل معه طوال حياته.
الأمان العاطفي لا يحتاج إلى كمال في التربية، بل إلى وعي في الحضور. إلى استجابة صادقة، ونظرة حانية، وثبات في المواقف. هو ذلك الإحساس الذي يتشكل بهدوء داخل الطفل، دون ضجيج، لكنه يرافقه في كل مراحله… ويحدد كيف يرى نفسه، وكيف يواجه العالم من حوله.













04/17/2026 - 07:22 AM





Comments