بقلم: عبد حامد
من الناس، من تقرأ سيرتهم، فكأنك بذلك تقرأ قصيدة سامية حوت من المعاني أشرفها، ومن الغايات أنبلها. فتقرأ وأنت في لذة وطرب يزداد ويتصاعد كلما تقدّمت في القراءة. فيها نتنفس تأثير الشعر والإيقاع والموسيقى، ما يجعلنا نتصفح حياتهم ونعيد التصفح مرة بعد أخرى، وفي كل مرة تتجدد متعتنا ويزهو حالنا.
ثم كلما ألمّت بنا مصيبة من طاغية أو رئيس يتنطع في السياسة أو الدين، عدنا إليهم، فنجد فيهم العزاء والدواء.
نحن هنا نتحدث عن الكتّاب والمثقفين العرب، لأنهم الأقرب منا، ولكونهم الأكثر اهتمامًا بنا، وإحساسًا بهمومنا وأحزاننا، وآمالنا وتطلعاتنا. وهم في نهاية الأمر مواطنون مثلنا، حالهم كحالنا، يعانون كما يعاني جميع أبناء شعبهم، وتُصب فوق رؤوسهم كل أنواع المحن والمآسي، وما أكثرها وأمرّها في وطننا العربي الكبير.
وطبعًا، هنا نقصد الكاتب الحقيقي والمثقف الأصيل، وكل فنان جاد ومبدع خلّاق. هؤلاء الذين يعلو نجمهم ويرتفع شأنهم ويعظم دورهم بين أبناء شعبهم، لما يجدون في أعمالهم ومواقفهم من صدق وعمق وإخلاص لهم، ولما يتمتعون به من بساطة وتواضع وسمو ونبل في آن معًا.
لكن ما إن يحتلّوا تلك المكانة الكريمة، وتلك المنزلة الشريفة على الساحة المحلية والدولية، وفي قلوب وعقول ووجدان مواطنيهم، وبشكل غريب ومفزع، سرعان ما ينقلبون رأسًا على عقب. وسرعان ما تنقلب كل تلك السمات النبيلة التي بها استحقوا تلك المكانة العالية التي تليق بهم وبأمتهم وتاريخها المشرف، إلى النقيض منها تمامًا. ويتركون المواطن الكريم في حيرة من أمره، وهو في حالة من الذهول والصدمة لهذه الفاجعة الأليمة المريرة، التي تضاف إلى هول الكوارث التي تعصف به في كل وقت وحين، ومن كل حدب وصوب.
هذه الانقلابات الثقافية هي الأخطر والأعنف تدميرًا والأمضى فتكًا بالواقع العربي والنسيج الاجتماعي للأمة. وهي أفظع وأبشع من الانقلابات السياسية والعسكرية، لأن طبيعة العمل السياسي تختلف كثيرًا عن غيرها؛ فالسياسة تتغير وتتبدل المواقف فيها تبعًا للظروف والمصالح. بينما العمل الثقافي، الأدبي والفني، يلتزم الحق والعدل والإنصاف، ويرتكز على الجانب الإنساني والأخلاقي، وعلى القيم والمثل والمبادئ العليا.
وإذا كان هذا حال بعض المثقفين، فماذا تركوا للسياسيين؟ وماذا يمكن أن يفعلوا بنا؟ وإذا كانت حصيلة آمالنا وتطلعاتنا إلى بعض المثقفين هي هذه، فماذا يمكن أن نأمل من الساسة والسياسيين إذًا؟
طبعًا نحن لا ندري لماذا تحصل هذه الانقلابات الثقافية. لماذا ينقلب بعض المثقفين على ماضيهم وعلى أنفسهم؟ هل تُمارس عليهم ضغوط قاهرة؟ أم تتم نتيجة إغراءات لا يقوى بعض المثقفين على دفعها ومقاومتها؟ أم أن هذه هي طبيعتهم، وهذا هو جوهرهم، وهذا هو معدنهم الحقيقي؟ أم هناك أسباب أخرى غير معروفة؟
مهما تكن هذه الأسباب، فهي أسباب غير مقبولة قطعًا، وهي أسباب مرفوضة بغيضة ومقيتة.













04/16/2026 - 15:08 PM





Comments