رشيد ج. مينا
لبنان، هذا الوطن الغني بتنوعه الديني والطائفي، لم يكن يومًا أسيرًا لطوائفه، بل كان غناه الحقيقي في هذا التنوع الذي شكّل رسالته الحضارية ونموذج العيش المشترك فيه. غير أنّ ما دمّر لبنان لم يكن الطوائف نفسها، بل الممارسة الطائفية التي جرى استثمارها في السياسة للتحاصص والسيطرة، فحوّلت التنوع إلى أدوات صراع وابتزاز، وجعلت الدولة رهينة حسابات الزعامات والمذاهب.
الممارسة الطائفية، لا الطائفية الدينية، هي الداء الحقيقي الذي فتح أبواب البلاد أمام كل أشكال التدخلات الخارجية، من المشروع الصهيوني إلى النفوذ الإيراني، فصار الخارج يجد في ضعف الداخل فرصة جاهزة للاستثمار. والسبب بسيط:
قوى سياسية وأحزاب وجمعيات اعتادت التبعية، وقدّمت مصالحها الخاصة على مصلحة الوطن، فتحوّلت إلى ممرات لتنفيذ الأجندات، وإلى شركاء في تثبيت الانقسام.
بات الفوز بمنصب نقابي يُسوَّق على أنه انتصار لطائفة، وتعيين مدير عام يُقدَّم كغلبة لمذهب، وتمرير مشروع هنا أو هناك يُقدَّم كفتح مبين لمجموعة على حساب أخرى. وفي الوقت نفسه ترتفع الأصوات الطائفية عند كل استحقاق، وكلما اقترب اللبنانيون من خطوة جادة نحو استعادة الدولة ودورها.
حتى المقاومة، التي كانت يومًا مقاومة وطنية للاحتلال الإسرائيلي، تماهت مع الخطاب المذهبي، فخسرت إجماعها، وفتحت الباب لتحويل السلاح إلى أداة هيمنة داخلية بدل أن يبقى عنصر قوة وطنية جامعة.
هكذا تحوّل لبنان من وطن إلى ساحة تُصفّى فيها الحسابات بين مشاريع النفوذ الخارجي، في ظل تفكك المؤسسات وغياب الدولة وتراجع ثقة الناس بكل من يتحدث باسمها.
إن المشروع الوطني العربي الوحدوي، الذي يتخطى العصبيات المذهبية ويعيد الاعتبار للهوية الثقافية العربية، هو المشروع الوحيد القادر على جمع اللبنانيين تحت سقف واحد، كما كان دورهم عبر التاريخ في الريادة الحضارية ومواجهة المشروع الصهيوني ورفض كل أشكال الوصاية والسيطرة.
إن داء الطائفية السياسية هو الذي سمح بترسيخ الهيمنة، وبتعطيل الدولة ومؤسساتها، وبمنع حصرية السلاح بيدها، وبإضعاف الجيش والتشكيك به، وبإبقاء شبح الحرب الأهلية يُستحضر عند كل مفصل أساسي.
إنّ لبنان لن ينهض ما دامت الطائفية السياسية تتحكم بمصير دولته وتُمسك بخيوط قراره. هذا الداء لم يعد مجرّد خلل في الإدارة أو عيب في الثقافة السياسية، بل منظومة كاملة تُغذّي الانقسام، وتمنح الخارج مفاتيح التدخل، وتشُلّ مؤسسات الدولة، وتُبقي السلاح خارج إطار الشرعية، وتُحاصر الجيش والمؤسسات الأمنية بالتشكيك والتجاذب.
ولن يكون للبنان مستقبل طالما بقي السياسي يستمدّ شرعيته من مذهبه لا من مشروعه، وطالما بقي الحزب يعتبر انتصاره على أبناء وطنه مكسبًا، وطالما بقي الخارج يحدّد إيقاع الداخل عبر وكلائه المحليين.
إن استعادة لبنان ليست أمنية رومانسية، بل معركة قرار: قرار بكسر حلقات التبعية، بفرض حصرية السلطة والسلاح بيد الدولة، بإنهاء زمن الوصايات مهما كان مصدرها، وبإحياء المشروع الوطني العربي الجامع الذي وحده يحمي لبنان ويعيد له دوره ورسالته.
لبنان لن يُستعاد بالشعارات، بل بجرأة مواجهة هذا المرض المزمن. وحين يقرر اللبنانيون أن يكون الوطن هو الهويّة الأولى، تسقط الطائفية السياسية، وتعود الدولة… دولة لكل أبنائها، لا ساحة لأحد.













04/16/2026 - 14:55 PM





Comments