الكاتب السياسي فرنسوا الجردي
مقدمة
أي تفاوض بين لبنان وإسرائيل لا يمكن أن يكون مجرد نقاش حدودي أو ترتيبات أمنية ظرفية، بل يجب أن يُبنى على رؤية شاملة تحفظ سيادة لبنان، أمنه، استقراره الاقتصادي، ووحدة نسيجه الداخلي. فلبنان ليس دولة تقليدية من حيث تركيبته السياسية والاجتماعية، بل كيان متعدد الطوائف والحساسيات والانتماءات، ما يفرض مقاربة تفاوضية دقيقة تراعي الداخل بقدر ما تواجه الخارج.
من هنا، المطلوب إطار تفاوضي وطني يستند إلى مصلحة الدولة اللبنانية العليا، لا إلى مصالح المحاور الإقليمية أو الحسابات الفئوية.
أولاً: المبادئ الحاكمة لأي تفاوض
1. تثبيت السيادة الكاملة
أي اتفاق يجب أن ينطلق من الاعتراف الكامل بسيادة لبنان على أراضيه وحدوده ومياهه وقراره الوطني، ورفض أي انتقاص من هذا المبدأ.
2. حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة
لا استقرار دائم من دون حصر القرار العسكري والأمني بالمؤسسات الشرعية اللبنانية.
3. رفض التطبيع القسري
يمكن التفاوض لتحقيق مصالح لبنان الأمنية والاقتصادية دون إلزام اللبنانيين بمسار تطبيع سياسي أو ثقافي لا يوجد حوله إجماع داخلي.
4. التدرج مقابل المكاسب
أي التزام لبناني يجب أن يقابله التزام إسرائيلي واضح ومكتوب ومضمون دولياً.
5. الرعاية الدولية الضامنة
يفضل أن تكون المفاوضات برعاية دولية متعددة الأطراف (الأمم المتحدة، الولايات المتحدة، فرنسا، وربما الاتحاد الأوروبي) لضمان التنفيذ.
ثانياً: الملفات الأساسية على طاولة التفاوض
1. الملف الحدودي البري
تثبيت نهائي للحدود الدولية وفق الوثائق المعترف بها.
معالجة النقاط المتنازع عليها.
إيجاد حل نهائي لمنطقة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا عبر مسار قانوني دولي.
وقف أي خروقات حدودية.
2. الملف الأمني
وقف شامل ومتبادل للأعمال العسكرية.
انسحاب أي قوات إسرائيلية من أي أراضٍ لبنانية محتلة.
وقف الاغتيالات والاختراقات الجوية.
تعزيز دور الجيش اللبناني جنوباً بدعم دولي مالي وتقني.
تطوير مهام اليونيفيل بما يخدم الاستقرار لا الوصاية.
3. الملف البحري والاقتصادي
تثبيت اتفاق الحدود البحرية وتوسيعه إذا لزم.
ضمان حرية لبنان في استثمار كامل ثروته الغازية والنفطية.
إنشاء آلية منع نزاعات حول الحقول المشتركة.
فتح المجال أمام استثمارات دولية في الطاقة اللبنانية بعد الاستقرار.
4. ملف الأسرى والمفقودين
تبادل معلومات حول المفقودين والمحتجزين.
آلية إنسانية بإشراف دولي.
5. ملف إعادة الإعمار والتعويضات
البحث في تعويضات عن الحروب والدمار والخسائر الاقتصادية.
إنشاء صندوق دولي لإعمار المناطق المتضررة.
ثالثاً: الرؤية الاستراتيجية اللبنانية
أ. من دولة مواجهة إلى دولة مستقرة قوية
لبنان لا يستطيع الاستمرار كساحة حرب دائمة. المطلوب تحويله إلى دولة مستقرة، ذات جيش قوي، واقتصاد منتج، وعلاقات متوازنة.
ب. استبدال منطق الميليشيا بمنطق الدولة
أي تفاوض ناجح يجب أن يترافق مع مسار داخلي تدريجي يدمج كل عناصر القوة تحت سقف الدولة.
ج. استثمار الموقع الجغرافي
السلام الحدودي والاستقرار يسمحان للبنان بأن يصبح منصة خدمات، طاقة، سياحة، وتعليم في شرق المتوسط.
رابعاً: الضمانات المطلوبة للبنان
ضمانات دولية أمنية
آلية مراقبة دولية ملزمة.
عقوبات على الطرف المخلّ بالاتفاق.
تقارير دورية لمجلس الأمن.
ضمانات اقتصادية
برامج دعم دولية مرتبطة بالاستقرار.
تمويل الجيش والبنية التحتية.
تسهيل استثمار الغاز والكهرباء والمرافئ.
ضمانات داخلية
حوار وطني شامل قبل أي اتفاق نهائي.
عرض أي اتفاق جوهري على المؤسسات الدستورية اللبنانية.
مراعاة حساسية المكونات اللبنانية كافة.
خامساً: ما الذي يريده كل مكوّن لبناني وكيف يُطمأن؟
المسيحيون
تثبيت الدولة والسيادة والمؤسسات.
إنهاء منطق الحروب العبثية.
حماية الوجود والدور.
السنّة
عودة لبنان إلى الشرعية العربية والدولية.
إنعاش الاقتصاد والاستثمار.
الشيعة
أمن الجنوب.
التنمية ورفع الحرمان.
عدم استهداف أي بيئة لبنانية جماعياً.
الدروز
الاستقرار الداخلي والتوازن الوطني.
أي إطار ناجح يجب أن يربح الجميع، لا أن يهزم أحداً داخلياً.
سادساً: الخطوط الحمراء اللبنانية
لا توطين للفلسطينيين مقابل أي صفقة.
لا تنازل عن الأرض أو المياه.
لا فرض تطبيع داخلي بالقوة.
لا استخدام لبنان منصة ضد أي دولة.
لا بقاء سلاح خارج الشرعية بعد مرحلة انتقالية متفق عليها.
سابعاً: السيناريو الأمثل
اتفاق مرحلي من ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى (1-2 سنة)
وقف نار دائم.
ضبط الحدود.
انتشار الجيش.
بدء مشاريع اقتصادية عاجلة.
المرحلة الثانية (3-5 سنوات)
تسوية ملفات الحدود.
إصلاحات داخلية.
معالجة السلاح غير الشرعي تدريجياً.
المرحلة الثالثة
استقرار طويل الأمد وعلاقات محددة وفق المصلحة اللبنانية وقرار الدولة.
الخلاصة
لبنان لا يحتاج تفاوضاً انفعالياً ولا شعاراتياً، بل تفاوض دولة تعرف ماذا تريد.
المعادلة الذهبية يجب أن تكون:
سيادة كاملة + أمن مستدام + اقتصاد منتج + وحدة داخلية + قرار وطني مستقل
إذا دخل لبنان أي مفاوضات منقسماً، سيخسر. وإذا دخل موحداً برؤية واضحة، يستطيع انتزاع أفضل الممكن.
الكاتب السياسي فرنسوا الجردي
مقدمة
أي تفاوض بين لبنان وإسرائيل لا يمكن أن يكون مجرد نقاش حدودي أو ترتيبات أمنية ظرفية، بل يجب أن يُبنى على رؤية شاملة تحفظ سيادة لبنان، أمنه، استقراره الاقتصادي، ووحدة نسيجه الداخلي. فلبنان ليس دولة تقليدية من حيث تركيبته السياسية والاجتماعية، بل كيان متعدد الطوائف والحساسيات والانتماءات، ما يفرض مقاربة تفاوضية دقيقة تراعي الداخل بقدر ما تواجه الخارج.
من هنا، المطلوب إطار تفاوضي وطني يستند إلى مصلحة الدولة اللبنانية العليا، لا إلى مصالح المحاور الإقليمية أو الحسابات الفئوية.
أولاً: المبادئ الحاكمة لأي تفاوض
1. تثبيت السيادة الكاملة
أي اتفاق يجب أن ينطلق من الاعتراف الكامل بسيادة لبنان على أراضيه وحدوده ومياهه وقراره الوطني، ورفض أي انتقاص من هذا المبدأ.
2. حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة
لا استقرار دائم من دون حصر القرار العسكري والأمني بالمؤسسات الشرعية اللبنانية.
3. رفض التطبيع القسري
يمكن التفاوض لتحقيق مصالح لبنان الأمنية والاقتصادية دون إلزام اللبنانيين بمسار تطبيع سياسي أو ثقافي لا يوجد حوله إجماع داخلي.
4. التدرج مقابل المكاسب
أي التزام لبناني يجب أن يقابله التزام إسرائيلي واضح ومكتوب ومضمون دولياً.
5. الرعاية الدولية الضامنة
يفضل أن تكون المفاوضات برعاية دولية متعددة الأطراف (الأمم المتحدة، الولايات المتحدة، فرنسا، وربما الاتحاد الأوروبي) لضمان التنفيذ.
ثانياً: الملفات الأساسية على طاولة التفاوض
1. الملف الحدودي البري
تثبيت نهائي للحدود الدولية وفق الوثائق المعترف بها.
معالجة النقاط المتنازع عليها.
إيجاد حل نهائي لمنطقة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا عبر مسار قانوني دولي.
وقف أي خروقات حدودية.
2. الملف الأمني
وقف شامل ومتبادل للأعمال العسكرية.
انسحاب أي قوات إسرائيلية من أي أراضٍ لبنانية محتلة.
وقف الاغتيالات والاختراقات الجوية.
تعزيز دور الجيش اللبناني جنوباً بدعم دولي مالي وتقني.
تطوير مهام اليونيفيل بما يخدم الاستقرار لا الوصاية.
3. الملف البحري والاقتصادي
تثبيت اتفاق الحدود البحرية وتوسيعه إذا لزم.
ضمان حرية لبنان في استثمار كامل ثروته الغازية والنفطية.
إنشاء آلية منع نزاعات حول الحقول المشتركة.
فتح المجال أمام استثمارات دولية في الطاقة اللبنانية بعد الاستقرار.
4. ملف الأسرى والمفقودين
تبادل معلومات حول المفقودين والمحتجزين.
آلية إنسانية بإشراف دولي.
5. ملف إعادة الإعمار والتعويضات
البحث في تعويضات عن الحروب والدمار والخسائر الاقتصادية.
إنشاء صندوق دولي لإعمار المناطق المتضررة.
ثالثاً: الرؤية الاستراتيجية اللبنانية
أ. من دولة مواجهة إلى دولة مستقرة قوية
لبنان لا يستطيع الاستمرار كساحة حرب دائمة. المطلوب تحويله إلى دولة مستقرة، ذات جيش قوي، واقتصاد منتج، وعلاقات متوازنة.
ب. استبدال منطق الميليشيا بمنطق الدولة
أي تفاوض ناجح يجب أن يترافق مع مسار داخلي تدريجي يدمج كل عناصر القوة تحت سقف الدولة.
ج. استثمار الموقع الجغرافي
السلام الحدودي والاستقرار يسمحان للبنان بأن يصبح منصة خدمات، طاقة، سياحة، وتعليم في شرق المتوسط.
رابعاً: الضمانات المطلوبة للبنان
ضمانات دولية أمنية
آلية مراقبة دولية ملزمة.
عقوبات على الطرف المخلّ بالاتفاق.
تقارير دورية لمجلس الأمن.
ضمانات اقتصادية
برامج دعم دولية مرتبطة بالاستقرار.
تمويل الجيش والبنية التحتية.
تسهيل استثمار الغاز والكهرباء والمرافئ.
ضمانات داخلية
حوار وطني شامل قبل أي اتفاق نهائي.
عرض أي اتفاق جوهري على المؤسسات الدستورية اللبنانية.
مراعاة حساسية المكونات اللبنانية كافة.
خامساً: ما الذي يريده كل مكوّن لبناني وكيف يُطمأن؟
المسيحيون
تثبيت الدولة والسيادة والمؤسسات.
إنهاء منطق الحروب العبثية.
حماية الوجود والدور.
السنّة
عودة لبنان إلى الشرعية العربية والدولية.
إنعاش الاقتصاد والاستثمار.
الشيعة
أمن الجنوب.
التنمية ورفع الحرمان.
عدم استهداف أي بيئة لبنانية جماعياً.
الدروز
الاستقرار الداخلي والتوازن الوطني.
أي إطار ناجح يجب أن يربح الجميع، لا أن يهزم أحداً داخلياً.
سادساً: الخطوط الحمراء اللبنانية
لا توطين للفلسطينيين مقابل أي صفقة.
لا تنازل عن الأرض أو المياه.
لا فرض تطبيع داخلي بالقوة.
لا استخدام لبنان منصة ضد أي دولة.
لا بقاء سلاح خارج الشرعية بعد مرحلة انتقالية متفق عليها.
سابعاً: السيناريو الأمثل
اتفاق مرحلي من ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى (1-2 سنة)
وقف نار دائم.
ضبط الحدود.
انتشار الجيش.
بدء مشاريع اقتصادية عاجلة.
المرحلة الثانية (3-5 سنوات)
تسوية ملفات الحدود.
إصلاحات داخلية.
معالجة السلاح غير الشرعي تدريجياً.
المرحلة الثالثة
استقرار طويل الأمد وعلاقات محددة وفق المصلحة اللبنانية وقرار الدولة.
الخلاصة
لبنان لا يحتاج تفاوضاً انفعالياً ولا شعاراتياً، بل تفاوض دولة تعرف ماذا تريد.
المعادلة الذهبية يجب أن تكون:
سيادة كاملة + أمن مستدام + اقتصاد منتج + وحدة داخلية + قرار وطني مستقل
إذا دخل لبنان أي مفاوضات منقسماً، سيخسر. وإذا دخل موحداً برؤية واضحة، يستطيع انتزاع أفضل الممكن.













04/16/2026 - 07:18 AM





Comments