رشيد ج. مينا
لغة التخوين التي ترافق السياسات والسياسيين في لبنان لم تعد حالة عابرة، بل تحولت إلى لازمة ثابتة في كل مرحلة ومحطة. فما يُعتبر حلالًا للبعض يصبح حرامًا على غيره، وبالعكس. تتبدل الوجوه، وتتغير الأدوار، وتنتقل البنادق من جهة إلى أخرى، من دون أي اعتبار للمصلحة الوطنية، بل وفق استثمار دائم يخدم الخارج وأجنداته.
اليوم، يعود خطاب التخوين ليُستخدم في مواجهة مسار التفاوض الذي قررت السلطة الرسمية اللبنانية السير به، في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، أتاحت لإسرائيل التوسع والتدمير والقتل من دون رادع، من غزة إلى إيران مرورًا بلبنان واليمن، بدعم أمريكي غير محدود.
ومن دون أي شك، لا يوجد لبناني يقبل بالعدوان الإسرائيلي على لبنان، أو احتلال أراضيه، أو تدمير قراه، أو استهداف أي مكوّن من مكوناته، لأن ما يجري هو استهداف لكل لبنان. لكن الفزّاعة التي يرفعها البعض ضد الحكومة ورئيسها، وضد رئاسة الجمهورية، وما يرافقها من خطاب فتنوِي تخويني، لا علاقة له بالمصلحة الوطنية، بل يرتبط بصراعات خارجية يُقحم لبنان فيها كما كان الحال منذ عقود، وإن تبدلت الشعارات والوجوه والرعاة.
إن الفارق كبير بين التفاوض في ظل واقع غير مسبوق يعيشه لبنان والمنطقة اليوم، وبين محطات سابقة شهدتها المنطقة، من حرب حزيران 1967 إلى اجتياحات لبنان في 1978 و1982 و2006، وصولًا إلى الاعتداءات المستمرة حتى يومنا هذا.
نعم، لدينا الكثير من الاعتراضات على أداء العهد والحكومة، والكثير من الملاحظات، لكن خطاب التخوين والفتنة لا يمكن أن يكون وسيلة للإصلاح، بل هو أكبر خدمة للمشروع الصهيوني والأمريكي.
إن اللبنانيين جميعًا مع المقاومة الوطنية في مواجهة العدو الصهيوني، لتحرير الأرض واستعادة الأسرى، وتنفيذ ما نصّت عليه الهدنة والقرار الدولي 1701، لكنهم ليسوا مع أي استثمار طائفي أو مذهبي باسم المقاومة، ولا مع ربطها بأجندات خارجية، سواء كانت إيرانية أو غيرها، على حساب المصلحة الوطنية والعربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
إن الوحدة الوطنية، واستعادة القرار الوطني، وحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وقواها الشرعية، ودعمها في مسار وقف العدوان وإنهاء الاحتلال، ومعالجة معاناة النازحين وعودتهم إلى قراهم ومنازلهم وأرزاقهم، وبناء المؤسسات وإعادة الإعمار — كل ذلك يشكل المصلحة الوطنية العليا التي يجب أن تتقدم على كل ما عداها.
أما التخوين، وفزّاعة التطبيع، فهما مردودان على أصحابهما. فالشعب اللبناني شعب أصيل في انتمائه الوطني والعربي، وفي التزامه قضايا الحق والعدل، وهو ما يشهد عليه تاريخه.
أما إسرائيل، فهي الأكثر خوفًا من أي سلام حقيقي، وهو ما أثبتته كل الاتفاقات التي أُبرمت تحت هذا العنوان. ولبنان، كما كان دائمًا، لم ولن يخرج عن التزامه العربي ومبادئه الأصيلة.
إن لبنان لا يمكن أن يُبنى بلغة التخوين، ولا أن يُحمى بخطابات الفتنة، ولا أن يُستعاد عبر تبادل الاتهامات. فالدولة لا تقوم إلا على الثقة، وعلى شراكة وطنية حقيقية تتقدم فيها المصلحة العامة على كل ما عداها.
إن استمرار هذا النهج لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام والانكشاف، ولن يخدم إلا من يسعى إلى إبقاء لبنان ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج لبنان إلى خطاب يجمع لا يفرّق، وإلى قرار وطني حر يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها.
فلبنان لا يُنقذ بالتخوين… بل يُنقذ بالدولة.













04/15/2026 - 09:51 AM





Comments