هل يفاوض لبنان بلا قرار؟ دولة على الطاولة… وسلطة في مكان آخر

04/15/2026 - 05:43 AM

A

 

 

إيلي إ. حرب

يدخل لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن برعاية أميركية وسط مؤشرات عن انعدام الأمل في إمكانية التوصل الى اتفاق مبدأي ملموس، يقضي أقله بوقف النار أو التوصل الى هدنة موقتة، على الرغم من الدعوات المتواصلة والاتفاقات والتفاهمات الدولية التي منحت السلطة في لبنان أكثر من فرصة للإمساك بقراري السلم والحرب على أراضيها.

في ما يلي تعداد وملخص عن اللقاءات – المفاوضات بين لبنان وإسرائيل منذ أربعينيات القرن الماضي، بعد إعلان دولة إسرائيل واستمرار الصراع التاريخي في المنطقة، والتي فشلت حتى الساعة في تثبيت الاستقرار والهدوء في لبنان لأسباب يختلط فيها العامل الخارجي بالخلافات الداخلية اللبنانية.

1949: اتفاقية ترسيم خط الهدنة في أعقاب حرب 1948، حين دخل لبنان بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل من ضمن لجنة الهدنة في رأس الناقورة. كانت السلطة اللبنانية مركزية تقليدية، لا انقسامات مسلحة داخلية ما سمح بموقف تفاوضي "تقني" لا سياسي. أما خارجيا فكانت الأولوية لاحتواء الهزيمة العربية لا لتسوية الصراع. اللقاءات كانت مباشرة وجهًا لوجه برعاية أممية، لكنها عسكرية تقنية، لا سياسية وأدت إلى نتيجة إيجابية ومرحلة هدوء نسبي طويلة الأمد.

1978 : أدت عملية الليطاني إلى إدخال قوات الأمم المتحدة الموقتة إلى لبنان بموجب قراري مجلس الأمن الدولي 425 و426 فيما الداخل كان غارقًا في حرب "أهلية" تفككت فيها الدولة وتعددت السلطات (منظمة التحرير، ميليشيات، الدولة الضعيفة). الصراع حينها تداخلت فيه موازين القوى الدولية بالإقليمية وحول لبنان إلى ساحة صراع. اللقاءات الثنائية بين لبنان وإسرائيل كانت محدودة وميدانية وغالبا غير مباشرة أو عبر الأمم المتحدة، مع غياب قرار لبناني موحد.

1983 : بعد الاجتياح الإسرائيلي 1982، جرت مفاوضات مباشرة أفضت إلى اتفاق 17 أيار. الداخل اللبناني كان منقسمًا بين محور مؤيد للغرب وآخر مدعوم من سوريا، ما جعل الاتفاق بلا غطاء وطني. سوريا من جهتها رفضت الاتفاق لأنه يخرج لبنان من دائرة نفوذها. اللقاءات بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي كانت مباشرة وعلنية، لكنها فشلت بسبب اختلال التوازن الداخلي والإقليمي وألغي عام 1984 بضغط من سوريا وحلفائها.

1991- 1993 : شارك وفد لبناني رسمي بعد اتفاق الطائف في محادثات مؤتمر مدريد للسلام في ظل احتلال سوري ربط القرار التفاوضي بدمشق. المؤتمر فرضته الولايات المتحدة بعد حرب الخليج. المفاوضات امتدت لشهور وشهدت لقاءات مباشرة شكلية بين الوفدين في مدريد وواشنطن تحت السقف السوري.

1996 : أو ما يعرف بتفاهم نيسان (غير مكتوب)، شرعن "قواعد الاشتباك" بعد عملية عناقيد الغضب. الداخل شهد صعود حزب الله كقوة مهيمنة جنوبًا. أما إقليميا فقد دخلت إيران كلاعب مباشر عبر الحزب، مقابل رعاية أميركية فرنسية للتفاهم. اللقاءات مع إسرائيل كانت غير مباشرة، عبر لجنة مراقبة دولية. التفاهم عكس انتقال القرار من الدولة وحدها إلى ثنائية "الدولة المقاومة".

عام 2000 شهد انسحابا اسرائيليا من دون اتفاق مباشر. في الداخل تعززت شرعية حزب الله، مقابل دولة ضعيفة لكنها مستفيدة سياسيًا. إقليميًا رسخت إيران معادلة ما وصفته بالردع . اما اللقاءات فغابت تماما وتم تثبيت الخط الأزرق عبر الأمم المتحدة وبغياب أي قناة سياسية مباشرة.

2006 : بعد حرب " لو كنت أعلم"، كما قال الامين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله، صدر القرار 1701 وسط انقسام داخلي حاد بين معسكري 8 و14 آذار حول سلاح الحزب وصراع مفتوح بين بين إيران ومحور غربي عربي. في اللقاءات لعبت اليونيفيل دورا تنسيقيا عبر الأمم المتحدة وغابت اللقاءات المباشرة بالكامل.

2012 - 2023 : وهي فترة مفاوضات أدت الى ترسيم الحدود البحرية. في الداخل انهيار اقتصادي فرض واقعا سياسيا على السلطة والمسؤولين ومن بينهم حزب الله وحلفاؤه في الحكم. في تلك الفترة تقاطعت مصالح واشنطن (عهدا أوباما – بايدن) مع طهران لتهدئة الاوضاع وربط الملف اللبناني عمليا بالمفاوضات النووية الإيرانية. اللقاءات جرت في الناقورة بشكل غير مباشر بطلب من حزب الله (وفدان في غرف منفصلة) وبرعاية أممية ، لكن مع طابع تقني - قانوني واضح وبغطاء من الرئيس نبيه بري من خلال المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين.

 2024 : في ظل حرب غزة ارتبط قرار الحكومة بأحداث الإقليم مع إدخال حزب الله لبنان بحرب الإسناد الأولى حيث باتت المواجهة الإقليمية بين إسرائيل وإيران مفتوحة. اللقاءات كانت غير مباشرة عبر لجنة الميكانيزم بإشراف أميركي أممي ومحورها أمني عسكري لا سياسي أو تسووي.

يتضح مما سبق أن المفاوضات المباشرة تتطلب استنادا إلى السوابق( في عامي 1949 و1983) دولة قوية يمكن أن تؤسس لتسوية جدية مستدامة في حال حزمت السلطة أمرها وأمسكت قرارها، في وقت تؤدي المفاوضات غير المباشرة، في حال ضعفها لصالح قوى داخلية او وصاية اقليمية، الى نتائج مرحلية تقنية عرضة للسقوط ، حيث استقرار بلا سلام وحيث تدار العلاقة عبر الردع والتفاهمات الموقتة، لا عبر اتفاقات سياسية نهائية.

فهل حزمت الدولة أمرها في المفاوضات الجارية أم لا تزال تدير أزمة؟ 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment