الحرب التي لا تنتهي: من الحسم العسكري إلى إدارة الاستنزاف

04/14/2026 - 17:47 PM

Atlantic home care

 

 

بقلم معتز فخرالدين *

ليست نهاية الحروب في الشرق الأوسط حدثاً زمنياً بقدر ما هي تحوّل في طريقة إدارتها.

فقد تتوقف المدافع، لكن الصراع لا يتوقف؛ بل ينتقل من ميدان النار إلى ميدان أكثر تعقيداً وامتداداً: ميدان الزمن والاقتصاد وإعادة تشكيل النتائج.

بهذا المعنى، لا يبدو ما يجري اليوم بعد فشل المفاوضات الأميركية–الإيرانية في باكستان، وإعلان دونالد ترامب فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، مجرد تطور سياسي أو أمني.

بل هو انتقال نوعي في بنية الصراع نفسه.

فنحن لا نواجه تصعيداً جديداً، بل مرحلة مختلفة من الحرب:

مرحلة لا تُخاض فيها المعارك لحسم النتائج، بل لإعادة إنتاجها عبر الاستنزاف البطيء وإعادة تشكيل الوقائع بالضغط المتدرج.

الحصار البحري: امتداد الحرب بأدوات مختلفة

في التجارب التاريخية، يُستخدم الحصار عندما تفشل الحرب في تحقيق حسم سياسي واضح.

وقد ألحقت الحرب أضراراً كبيرة بإيران، لكنها لم تُنتج تسوية نهائية.

من هنا يأتي الحصار كمحاولة لإعادة تعريف نتائج الصراع، لا لإنهائه: تحويل عدم الحسم العسكري إلى ضغط سياسي ممتد في الزمن.

وتقوم المقاربة الأميركية على معادلة واضحة:

• لا حرب شاملة جديدة

• لا تسوية مستقرة

• بل استنزاف تدريجي يعيد تشكيل الموقف عبر الزمن

من الحرب إلى الحصار: تغيّر طبيعة الصراع

الحرب بطبيعتها لحظة صدام مكثف تنتهي بنتيجة نسبية واضحة.

أما الحصار، فهو شكل ممتد من الصراع لا يخضع لمنطق الزمن القصير.

إذا كانت الحرب تُصيب البنية التحتية مباشرة، فإن الحصار يستهدف:

• القدرة على التعافي

• إعادة الإعمار

• الاستقرار الاقتصادي

• مصادر التمويل

وبهذا المعنى، لا يعود الهدف هو الإخضاع الفوري، بل إدارة الانهاك على مدى طويل.

الهدف الاستراتيجي: تعطيل لحظة التعافي

لا يتركز الرهان الأميركي على إسقاط سريع، بل على منع تشكّل “ما بعد الحرب” كمرحلة إعادة بناء قوة.

ويتجسد ذلك في ثلاث مستويات مترابطة:

  1. تقييد إعادة تشغيل الاقتصاد

  2. خنق مصادر الطاقة والعملة الصعبة

  3. إدارة ضغط اجتماعي متدرج عبر الزمن

الهدف هنا لا يقوم على الردع، بل على إعادة تشكيل السلوك السياسي تحت ضغط التراكم.


منطق الاستنزاف الأميركي

ترتكز هذه المقاربة على تسلسل واضح:

• الحرب تُضعف البنية العسكرية

• الحصار يُضعف البنية الاقتصادية

• الزمن يُترجم هذا الضعف إلى نتائج سياسية

في هذا السياق، يصبح الهدف دفع إيران إلى تعديل موقعها الاستراتيجي ليس عبر الصدمة، بل عبر التآكل التدريجي.

معادلة إيران: بين الصمود ومنع الانكسار

إيران ليست في موقع انتصار، لكنها ليست في موقع هزيمة أيضاً.

وهنا تتبلور المعادلة الحقيقية للصراع.

فالولايات المتحدة تسعى إلى تحويل عدم الحسم العسكري إلى مكاسب سياسية متراكمة،
بينما تحاول طهران منع تحويل عدم الانتصار إلى استسلام استراتيجي.

وبذلك ينتقل مركز الثقل من ميدان القوة إلى ميدان الزمن وكلفة البقاء.

أدوات إدارة الصراع لدى طهران

تعتمد إيران على أربع ركائز أساسية:

  1. الصمود الاقتصادي

عبر التكيف مع العقوبات وتقليص الاعتماد الخارجي.

  1. الضغط الجغرافي الاستراتيجي

خصوصاً في نطاق مضيق هرمز باعتباره نقطة اختناق في منظومة الطاقة العالمية.

  1. التماسك الداخلي

كشرط أساسي لاستمرار القدرة على امتصاص الضغوط الخارجية.

  1. الاستثمار في الزمن

انتظار تحولات دولية وإقليمية قد تعيد تشكيل ميزان القوى.

الاستنزاف نظامي وليس ثنائياً

من الخطأ النظر إلى الحصار باعتباره مواجهة ثنائية مغلقة بين واشنطن وطهران فقط.

فهو يمتد إلى النظام الدولي بأكمله، خصوصاً في قطاع الطاقة.

أي اضطراب في تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز ينعكس على:

• أسواق النفط العالمية

• كلفة النقل والتأمين

• سلاسل الإمداد الدولية

لكن الأهم أن الصراع يضع النظام الإقليمي بأكمله في دائرة التأثر، لا في موقع التحكم أو الحياد.

فلا يوجد طرف خارج كلفة الاضطراب حين يُمس شريان الطاقة العالمي.

من يتحمل أطول؟

في مثل هذه الصراعات، لا تُحسم النتائج بالقوة المباشرة، بل بالقدرة على إدارة الزمن.

المعادلة تتوزع على ثلاث دوائر:

• قدرة الداخل على التكيف

• قدرة النظام الدولي على تحمل الكلفة

• قدرة القوى الكبرى على الاستمرار في إدارة الضغط

وبذلك يصبح السؤال المركزي:

من ينهك أولاً في حرب الاستنزاف الطويلة؟

الحروب التي تُدار بدل أن تُحسم

الحصار البحري ليس تفصيلاً تكتيكياً، بل محاولة لإعادة صياغة نتائج الحرب عبر الزمن.

فهو انتقال من منطق الحسم إلى منطق الإدارة، ومن الصدام المباشر إلى الاستنزاف الممتد.

واشنطن تراهن على أن التآكل التدريجي يصنع نتيجة سياسية لا تستطيع الحرب السريعة تحقيقها.

وطهران تراهن على أن الصمود الطويل يمنع تحويل الضغط إلى هزيمة.

لكن الأهم أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من الصراع:

مرحلة لا تُحسم فيها الحروب، بل تُدار كعمليات طويلة من الإنهاك المتبادل، حيث تصبح الكلفة هي اللغة الوحيدة الحاكمة للمشهد.

 

* كاتب سياسي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment