ماذا بعد لقاء واشنطن؟ لبنان بين طاولة التفاوض وسقف السلاح

04/14/2026 - 15:14 PM

A

 

الاعلامية سيلفانا سمعان

بعد أكثر من أربعة عقود على آخر مفاوضات مباشرة مماثلة شهدها عام 1983، يعود لبنان اليوم إلى مشهد تفاوضي بالغ الحساسية، لكن تحت ظروف أكثر تعقيدًا وخطورة. مجرد انعقاد اللقاء في واشنطن بين ممثلين عن لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل ليس حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل تطور سياسي استثنائي يعكس تحوّلًا في طبيعة إدارة الأزمة على الحدود الجنوبية، ويفتح بابًا ظل مغلقًا لعقود. غير أن أهمية اللقاء لا تكمن فقط في رمزيته التاريخية، بل في الرسائل غير المعلنة التي يحملها، وفي ما يكشفه عن التوازنات الفعلية داخل لبنان وخارجه.

اللغة الرسمية التي أحاطت الاجتماع بدت محسوبة ومقتضبة، لكن ما يجري خلفها يتجاوز بكثير عبارات التهدئة المعتادة. الولايات المتحدة لا تبدو في وارد إنتاج تسوية نهائية بقدر ما تسعى إلى منع انفجار إقليمي واسع، وإلى ضبط إيقاع التصعيد ضمن سقف يمكن التحكم به. واشنطن تدير الأزمة بمنطق الاحتواء، لا الحل. فهي تدرك أن الظروف الحالية لا تسمح بتسوية جذرية، ولذلك تركّز على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة، ومنع انتقال الاشتباك من حالة الاستنزاف المحدود إلى مواجهة شاملة قد تعيد خلط المنطقة كلها.

في المقابل، تتحرك إسرائيل ضمن حسابات مختلفة وأكثر براغماتية. ما تريده ليس فقط وقف إطلاق النار أو تهدئة ظرفية، بل إعادة صياغة قواعد الردع على الحدود الشمالية بما يضمن تقليص الكلفة الأمنية طويلة الأمد. الهدف الفعلي، وإن لم يُعلن صراحة، هو فرض معادلة جديدة تجعل أي تصعيد مستقبلي أكثر قابلية للضبط، وأقل تهديدًا للعمق الإسرائيلي. من هنا، فإن التفاوض بالنسبة إليها ليس غاية سياسية بقدر ما هو أداة لإعادة هندسة ميزان الردع.

أما الدولة اللبنانية، فتدخل هذه المفاوضات من موقع شديد الهشاشة. فهي الجهة الشرعية الوحيدة المخوّلة دستوريًا التفاوض باسم لبنان، لكنها في الوقت نفسه تعمل ضمن واقع داخلي يقيّد قدرتها على تحويل أي تفاهم خارجي إلى التزام فعلي على الأرض. هذه المواقف لم تكن مفاجئة، بل جاءت ضمن مسار سياسي كانت ملامحه واضحة منذ البداية. وهذا التناقض ظهر بوضوح مع صدور مواقف من حزب الله ترفض مسبقًا أي نتائج قد تخرج عن لقاء واشنطن، ما يطرح سؤالًا يتجاوز السياسة إلى صلب مفهوم السيادة: إذا كانت الدولة وحدها تمثل لبنان رسميًا، فمن خوّل أي جهة خارج مؤسساتها أن تمنح نفسها حق إسقاط أو تعطيل نتائج مسار تفاوضي رسمي؟

الأمر لا يتعلق فقط بالاعتراض السياسي، بل بإشكالية أعمق تتصل ببنية القرار الوطني اللبناني نفسه. ففي أي دولة ذات سيادة، لا يملك طرف غير رسمي حق إعلان موقف موازٍ أو مضاد لمسار دبلوماسي تقوده السلطة الشرعية. وحين يُطرح خطاب موازٍ لمسار الدولة من خارج مؤسساتها، يصبح السؤال ليس حول المضمون السياسي فقط، بل حول طبيعة السلطة التي تحدد فعليًا اتجاه القرار. هذه ليست مفارقة عابرة، بل تعبير عن ازدواجية في مرجعية القرار داخل لبنان، حيث تتقاطع السلطة الرسمية مع قوة موازية قادرة على التأثير في التنفيذ على الأرض.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة لقاء واشنطن بمعزل عن هذه الحقيقة البنيوية: الأزمة اللبنانية لم تعد فقط أزمة نزاع مع إسرائيل، بل أزمة مرجعية داخلية أيضًا. الخارج يفاوض دولة واحدة، لكن الداخل لا يزال موزعًا بين مراكز قرار متعددة، بعضها لا يخضع للمنطق المؤسساتي ذاته. وهذا ما يجعل أي تفاهم محتمل هشًا بطبيعته، لأن النصوص الدبلوماسية مهما بلغت دقتها تبقى رهينة القدرة على فرضها داخل الواقع.

ما حدث في واشنطن، إذًا، لا يمثل بداية سلام، ولا حتى بالضرورة بداية تسوية، بل هو إعادة رسم دقيقة لحدود القوة بين الأطراف المعنية. الأميركيون يريدون منع الانفجار، الإسرائيليون يريدون تثبيت ردع جديد، والدولة اللبنانية تحاول حماية الحد الأدنى من الاستقرار ضمن هامش سيادي محدود. وفي المحصلة، لا يختبر لقاء واشنطن مستقبل لبنان بقدر ما يختبر قدرته على أن يكون دولة واحدة بقرار واحد، أو يبقى ساحة تُدار من خارجها ومن داخلها في الوقت نفسه.
 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment