الخداع في الحرب: من سون تزو إلى إدارة إدراك الخصم

04/13/2026 - 10:37 AM

Bt adv

 

 



الاعلامية سيلفانا سمعان

شكّل مبدأ الخداع أحد المفاهيم الجوهرية في نظرية الحرب كما صاغها سون تزو، حيث لا يُنظر إلى الصراع باعتباره اشتباكًا عسكريًا مباشرًا فقط، بل كمنظومة أوسع تتعلق بإدارة تصور الخصم قبل لحظة الفعل. في هذا الإطار، لا يُقاس النجاح بقدرة الطرف الفاعل على تنفيذ الضربة وحدها، بل بقدرته على تشكيل طريقة فهم الطرف الآخر للتهديد: توقيته، اتجاهه، ومستوى خطورته، وحتى تعريفه الأولي لماهية الخطر نفسه. ويعبّر سون تزو عن هذا الجوهر بوضوح حين يربط فعالية الحرب بقدرة القائد على جعل الخصم يرى واقعًا غير الواقع الذي يُحضَّر له فعليًا.

في فن الحرب، لا يظهر الخداع كتكتيك جزئي أو أداة ظرفية، بل كبنية متكاملة لإدارة الصراع. جوهره لا يقوم على إخفاء النية فقط، بل على إنتاج تصور بديل يجعل الخصم يتصرف بناءً على فهم يبدو مكتملًا، فيما هو في الحقيقة منفصل عن مسار الفعل الحقيقي. هنا يصبح الهدف ليس تضليل المعلومة بحد ذاتها، بل التحكم في السياق الذي تتحول فيه المعلومة إلى قرار.

في الحروب الحديثة، يتوسع هذا المفهوم نحو ما يمكن تسميته بـتشكيل بيئة القرار. لم تعد العمليات العسكرية منفصلة عن المجال الإعلامي أو الاستخباراتي أو السياسي، بل باتت تتداخل معه عضويًا. الإشارات العلنية، التحذيرات الأمنية، التسريبات الإعلامية، وأنماط الخطاب السياسي، جميعها تتحول إلى أدوات ضمن منظومة واحدة تعيد بناء توقعات الخصوم بصورة مستمرة.

ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة كثير من أنماط التصعيد في النزاعات الإقليمية المعاصرة، ومنها المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، بوصفها أكثر من مجرد تتابع عمليات عسكرية منفصلة. فهي غالبًا ما تجري داخل دورة متكررة: تهدئة نسبية، يليها رفع تدريجي لمنسوب التحذير، ثم انتقال مفاجئ إلى ضربات مركزة ضمن نافذة زمنية قصيرة.

ويبرز هجوم الأربعاء ٨ نيسان ٢٠٢٦ بوصفه نموذجًا واضحًا لهذا النمط المركّب من الخداع البنيوي. فقد جرى التصعيد وفق تسلسل ثلاثي بالغ الدقة: في المرحلة الأولى، سادت خلال الساعات الأولى من النهار مؤشرات سياسية وإعلامية أوحت بأن التوتر يتجه نحو الاحتواء، بما خلق انطباعًا مؤقتًا بأن مسار التصعيد قد تم احتواؤه أو تجميده. في المرحلة الثانية، صدرت تحذيرات علنية بإخلاء مناطق جغرافية محددة، ما أعاد رفع مستوى الإنذار، لكنه في الوقت نفسه وجّه الانتباه نحو بقع ميدانية بعينها، فارضًا على الطرف المقابل إعادة توزيع انتباهه وقراءته للتهديد ضمن نطاق محدود.

أما المرحلة الثالثة، فجاءت بعد دقائق قليلة فقط، حين شُنّت أكبر موجة ضربات إسرائيلية منسقة ضد أهداف مرتبطة بحزب الله في تلك المرحلة، مستهدفة أكثر من مئة موقع خلال نحو عشر دقائق، بحسب المعطيات العسكرية والتغطيات الدولية. أهمية هذا التسلسل لا تكمن فقط في كثافة الهجوم، بل في البنية الذهنية التي سبقته: خلق شعور أولي بالأمان، يليه توجيه مركز للانتباه نحو خطر محدد، ثم تنفيذ الضربة في لحظة يكون فيها فهم الخصم قد أُعيد تشكيله على أساس قراءة غير مكتملة لمسار الأحداث. بهذا المعنى، لم تكن المفاجأة في الضربة نفسها فقط، بل في الطريقة التي جرى فيها إعداد المشهد الذهني الذي جعل توقيته ووجهته أكثر فاعلية من أثر القوة النارية وحدها.

من منظور سون تزو، يمكن فهم هذا التحول باعتباره انتقالًا من الخداع التكتيكي إلى الخداع البنيوي. في الخداع التكتيكي، يتم تضليل توقيت الضربة أو مكانها. أما في الخداع البنيوي، فإن الهدف يصبح أعمق: التأثير على الطريقة التي يبني فيها الخصم فهمه للواقع نفسه، بحيث يتحول اليقين المبكر إلى نقطة ضعف، لأنه يولّد قرارات مبنية على تصور غير مكتمل لطبيعة المشهد.

في هذا النوع من المقاربة، لا تعود الحرب تُدار ضمن خط فاصل واضح بين التهدئة والتصعيد، بل داخل مساحة رمادية متحركة من الإشارات وإعادة التفسير المستمر. وفي هذه المساحة، تصبح السيطرة على إدراك الزمن السياسي والعسكري جزءًا من بنية الهجوم نفسها، لا مجرد عنصر مرافق لها.

المفارقة الأعمق أن الحروب المعاصرة لم تعد تُحسم فقط بالسؤال التقليدي: من يملك القوة الأكبر؟ بل من يملك القدرة على صياغة المعنى الذي تُقرأ من خلاله القوة أصلًا؟ حين يصبح إدراك الواقع نفسه ساحة اشتباك، لا يعود الخطر الحقيقي في الضربة التي تقع، بل في اللحظة التي يقتنع فيها الطرف المقابل بأنه فهم المشهد، بينما يكون قد بدأ بالفعل في قراءة نسخة صيغت له بعناية.

لا تقوم الحرب في جوهرها على الذكاء بقدر ما تقوم على القدرة على دفع الخصم، من دون أن يدري، إلى أن يشارك في صناعة هزيمته. ماذا يحدث حين يصبح الطرف الذي يعتقد أنه يقرأ المشهد بدقة جزءًا من مشهد كان مُهيّأً أصلًا ليُساء فهمه؟ عندها، قد لا تكون أخطر الضربات تلك التي تُرى، بل تلك التي لا يُدرك معناها إلا بعد أن تكون قد غيّرت مسار المعركة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment