حكايتي مع الرحيل ......

04/13/2026 - 09:49 AM

Bt adv

 

 

 

 

كتبت سحر حمزة

لم يكن قراراً نابعاً عن تهوّر أو اندفاع في حياتي، كان ذلك قبل عقدين من الزمن مع بداية الألفية الثانية، في فجرٍ متجدّد كنتُ ما بين النوم والاستيقاظ، ورأيت نفسي بين مجموعة من مختلف الأجناس نعزف معاً مثل عصافير الحقول والبراري مع الطيور المهاجرة لمختلف الأقطار، في الحديقة الرائعة الجميلة أشبه بحديقة المعجزات لما تلونت به من مختلف أنواع الورود والزهور من زنابق ونرجس وليلك، حتى الأزهار البرية مثل الأقحوان والبيلسان.

كان الكناري يراقبني عن بُعد ظنّاً منه أني شجرة لوز أو كرز أو بقايا نبات الفراولة المتسلّق المحمّل بالثمار. نظراته توحي بشيء غريب لم أعتد عليه، وكان ينفض جناحيه ويصفّق بهما ليلفت انتباهي، لكني جلست على غصن شجرة البيلسان. نظر إليّ نظرة حادّة أخافتني للوهلة الأولى، ولكنّي أحسست أنه يغار مني، كأنه يريد أن يقلّدني ويتسلّق قربي ليحطّ جناحيه على تلك الأزهار الطيبة الرائحة التي تفوح من أزهار البيلسان. غفا مطمئناً فوق أوراق الشجرة مثبتاً قدميه على أغصانها، وأنا أراقب ما حولي وأتأمل جمال الطبيعة في حديقة المعجزات التي تعجّ بالطيور والأزهار من كافة أنحاء العالم.

فجأة استيقظ الكناري فرحاً سعيداً بهذا الجمال الطبيعي الخلّاب، فقرّر أن يغرّد سمفونية الحياة التي بدأت باستيقاظ الصبح بعد الفجر، لتبدأ الشمس بإسدال ستائر شعرها الذهبي على أرجاء الحديقة، وتتحوّل إلى ضياء ونور يملأ الكون بالجمال الساحر ليعلن بداية النهار، ليصحو الجميع للعمل والجدّ والكسب والسعي وتقديم الخير للمخلوقات الموجودة في الحديقة من بشر وطيور وشجر وحجر.

في هذه اللحظات الرائعة الساحرة، استأذن القمر ليغادر إلى مكان آخر يضيئه مستعيراً النور من الشمس التي منحته إياه لينشره في مناطق عدة في الجهة المقابلة للأرض، ليتحوّل نهارها ليلاً وليلها نهاراً. ومع كل يوم متجدّد بالحياة والحب، تعوّدت أن أبقى يقِظة ولا أغفو طوال الليل، لأحتسي قهوتي وبعض أكواب من الشاي تجعلني يقظة حتى بزوغ الفجر.

وهناك سبب آخر هو ديدن حياتي؛ من أعماقي ينبعث صوت يحثّني على الرحيل ومغادرة المكان الذي دُفن فيه طموحي وأحلامي. فكّرت مليّاً فيما خطّطت له مساء ذلك اليوم الذي نبش بيني وبين من كان زوجي، إذ منعني من المشاركة في أمسية ثقافية خارج المدينة، لكنه رفض رفضاً قاطعاً غير قابل للنقاش. فقررتُ الرحيل كي أغادر إلى حيث مكان أبدع فيه وأتحرّر من القيود التي تحبطني وترجعني إلى قرون مضت وتقتل إبداعاتي وأحلامي فيما اخترته لحياتي.

نعم، قررتُ الرحيل إلى عالم جديد متجدّد بالحياة، من مكان ملغّم بالأجواء العائلية المتوترة يومياً، إلى أجواء الوحدة الأبدية في أجواء هادئة مستقلة بقراراتي وأحلامي وإبداعاتي.

تنقّلتُ ما بين العواصم؛ زرت دمشق للمشاركة بالجمال والأجواء التراثية الحضارية، ثم انتقلت إلى بيروت عاصمة الجمال والحياة المرهفة. كنت أبحث عن نفسي، وتجوّلت ما بين الجغرافيا في بعض مناطق العالم ما بين إسطنبول في تركيا ومراكش في المغرب والقاهرة في مصر. أعدتُ تصميم حياتي وبدأت أرسم خارطتي الجديدة. كنت في دمشق بسوريا مشاركة بمؤتمر في الجامعة مع جمعية البيئة، أدرتُ قرص المذياع لأسمع خبراً عن سقوط بغداد، صُدمت وبكيت وقلت لنفسي: وماذا بعد القدس؟ والآن بغداد؟ وربما المجهول أعظم.

بعد طول تفكير صرفت النظر عن موعد العودة لبلدي وأسرتي وأطفالي، لكنني غيّرت وجهتي إلى مكان آخر أطلق عليه صفة السعادة أو بلاد السعادة كما سمعت. فتدبّرت أمري واستخرجت تأشيرة من العاصمة الدمشقية، وحجزت على طيران الشرق الأوسط إلى دبي عاصمة الجمال والفرح والاقتصاد في المنطقة العربية.

وبعد أن حلّقت بي الطائرة من دمشق إلى دبي، وأنا ماضية بقرار اتخذته ولم ألتفت للوراء، أردت طيّ كل ما يتعلق ببعض الخذلان الذي واجهته منذ طفولتي في حياتي الماضية، حتى وصلت لقراري الأصعب حينها. فالصديق غاب بعد خيانة ونفاق، والأهل معارضون لمبادئي وتركوني أسير هائمة كما يحلو لي منذ طفولتي بقيودهم التي كنت أفكّها بتصميمي وقراراتي. وحرصت دوماً أن أتنقّل بين الأصقاع والأفراد دون عتاب، وتناسيت زوجاً كان يعارض كل سلوكياتي ويحاول سجني في جدرانه التي تعتمد على ورثة ما يقلّل من شأن المرأة بل يستعبدها لتكون جارية أو نعجة في سوق الخراف. كان يقتل طموحي ويحبطني صباحاً ومساءً، حتى أطفالي الصغار احتاروا بين كاني وماني وبين تلعثم كلماتي. وأمي وحدها تذرف الدموع خوفاً عليّ من تحدياتي ومن عواقب ما يحدث معي، لكنني طمأنتها وغادرتها رغماً عني.

ونفّذت الأمر واخترت الرحيل بعيداً. نعم، حلّقت كطير جريح وغبت عن مسقط رأسي، حتى هبطت كطائر جريح ألمّ جراحي وأحطّ براحلتي في دبي، بلاد الأحلام والجمال وراحة البال إلى الآن.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment