بين الذاكرة والحقيقة: من كان على حق في حرب السنتين؟

04/13/2026 - 00:28 AM

Bt adv

 

 

الكاتب السياسي فرنسوا الجردي

تمرّ ذكرى ما يُعرف بـ"حرب السنتين" (1975–1976) في لبنان، فتعود معها الأسئلة المؤلمة التي لم تجد جوابًا حاسمًا حتى اليوم. لعلّ أبرزها وأكثرها تكرارًا: من كان على حق؟
سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه في الواقع معقّد إلى حدّ يستحيل معه اختزاله بإجابة ثنائية أو حكم قاطع.

الحقيقة الأولى التي يجب الانطلاق منها هي أن حرب السنتين لم تكن صراعًا تقليديًا بين "حق وباطل"، بل كانت نتيجة تراكم طويل من الاختلالات السياسية والاجتماعية والدستورية. فلبنان ما قبل 1975 كان يعيش على توازنات هشة، أبرزها نظام طائفي جامد لم يعد يعكس التحولات الديموغرافية والسياسية، ما خلق شعورًا متزايدًا بالغبن لدى فئات واسعة من اللبنانيين، في مقابل شعور موازٍ بالخوف الوجودي لدى فئات أخرى.

في هذا السياق، يمكن القول إن جزءًا من اللبنانيين كان يطالب بإصلاح النظام السياسي لتحقيق عدالة أكبر في التمثيل والمشاركة، بينما رأى جزء آخر أن هذه المطالب، في ظل السلاح الفلسطيني وتصاعد العمل العسكري انطلاقًا من الأراضي اللبنانية، تشكّل تهديدًا مباشرًا لكيان الدولة وهويتها. وهنا، يتداخل الداخلي مع الخارجي بشكل خطير، إذ لم تعد الأزمة لبنانية صِرفة، بل تحولت إلى ساحة لصراعات إقليمية ودولية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم دوافع الأطراف المختلفة دون تبرير أفعالها. فالقوى التي رفعت شعار "الإصلاح" لم تكن مخطئة في تشخيص أزمة النظام، لكنها أخطأت حين سمحت بتغليب السلاح والفوضى على منطق الدولة. وفي المقابل، فإن القوى التي رفعت شعار "الدفاع عن الكيان" لم تكن مخطئة في القلق على مصير لبنان، لكنها أخطأت أيضًا حين انزلقت إلى منطق الحرب الأهلية ورفضت أي تغيير بنيوي.

وهنا تكمن المعضلة: الجميع امتلك جزءًا من الحقيقة، لكن الجميع ساهم في الانفجار.

ما يزيد الصورة تعقيدًا أن "حرب السنتين" لم تبقَ ضمن إطارها الداخلي، بل سرعان ما دخلت أطراف خارجية على خطها، ما أدى إلى تعقيد الصراع وإطالة أمده.

إذا أردنا قراءة أكثر واقعية وهدوءًا، يمكن القول إن:
- الحق لم يكن حكرًا على طرف واحد.
- والخطأ لم يكن حكرًا على طرف واحد.
- أما الضحية، فكانت لبنان الدولة، والمجتمع، والإنسان.

الخطأ الأكبر الذي ارتُكب لم يكن فقط في إشعال الحرب، بل في تحويل الخلاف السياسي إلى صراع مسلح، وفي استدعاء الخارج بدل الاحتكام إلى الدولة. ومنذ تلك اللحظة، فقد لبنان سيادته التدريجية، ودخل في دوامة طويلة من الحروب والتسويات المفروضة.

اليوم، بعد مرور عقود، لا قيمة فعلية لإصدار أحكام إدانة تاريخية بقدر ما تكمن الأهمية في استخلاص الدروس. وأهم هذه الدروس أن أي نظام لا يتجدّد يسقط، وأن أي سلاح خارج إطار الدولة يقود إلى الفوضى، وأن الخوف المتبادل بين مكونات المجتمع، إذا لم يُعالج بالحوار، يتحول إلى صراع دموي.

لذلك، فإن الإجابة الأكثر صدقًا على السؤال: من كان على حق؟ هي أن هذا السؤال نفسه قد يكون مضلّلًا. لأن الحروب الأهلية لا تُنتج منتصرين حقيقيين، بل تترك وراءها خسائر جماعية، وندوبًا في الذاكرة الوطنية يصعب التئامها.

في الذكرى، لا نحتاج إلى إعادة تموضع في خنادق الماضي، بل إلى شجاعة الاعتراف بأن الجميع أخطأ، وأن إنقاذ لبنان لا يكون بتكرار الروايات المتقابلة، بل ببناء دولة قادرة، عادلة، تحتكر السلاح، وتطمئن جميع أبنائها دون استثناء.

فربما السؤال الأجدى اليوم ليس: من كان على حق؟
بل: كيف نمنع تكرار الخطأ؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment