بودابست على صفيح التحوّلات: أوروبا بإزاحة حلفاء الحروب

04/12/2026 - 23:28 PM

A

 

 

د. سعيد محمد ابو رحمه 

في لحظة دولية مشحونة بالتوترات، من الحرب في أوكرانيا إلى التصعيد المستمر مع إيران، تتجه الأنظار نحو بودابست، حيث تتكثف المؤشرات على تحوّلات سياسية قد تتجاوز حدود المجر لتطال المزاج الأوروبي العام. فالمشهد هناك لم يعد مجرد تنافس انتخابي داخلي، بل بات يُقرأ كجزء من صراع أوسع حول مستقبل أوروبا: هل تستمر في نهج التوازن والبراغماتية، أم تنحاز إلى خط أكثر صرامة في مواجهة القوى الدولية؟

على مدى أكثر من عقد، شكّل فيكتور أوربان نموذجًا لزعيم أوروبي يوازن بين الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي والحفاظ على علاقات وثيقة مع فلاديمير بوتين، فضلًا عن تقاطعاته السياسية مع دونالد ترامب. هذا التموضع منح المجر خصوصية داخل الاتحاد، لكنه في الوقت ذاته جعلها عرضة لانتقادات متزايدة، خاصة مع تصاعد الحرب في أوكرانيا واتساع رقعة الاستقطاب الدولي.

التحولات المحتملة في بودابست سواء عبر تراجع شعبية أوربان أو صعود قوى معارضة لا يمكن فصلها عن تداعيات الحرب الأوكرانية. فالأزمة لم تعد مجرد صراع جيوسياسي بعيد، بل تحولت إلى عامل ضاغط على الداخل الأوروبي: تضخم اقتصادي، أزمات طاقة، واستقطاب سياسي حاد. وفي هذا السياق، بدأت قطاعات من الرأي العام الأوروبي تعيد تقييم القيادات التي تبنّت مواقف رمادية أو مالت نحو التهدئة مع موسكو.

لكن الأهم من ذلك أن أي تغيير في المجر قد يحمل دلالات أوسع. فهو قد يشير إلى بداية تراجع التيارات الشعبوية التي بنت جزءًا من شرعيتها على رفض السياسات الأوروبية الموحدة، أو على التقارب مع روسيا. كما قد يعزز من تماسك الاتحاد الأوروبي في مواجهة التحديات الخارجية، ويدفع نحو سياسات أكثر وضوحًا في ملفات الحرب والسلام.

مع ذلك فإن الرهان على إزاحة أنصار الحروب من السلطة يبقى معقدًا. فالتجربة الأوروبية تُظهر أن سلوك الناخبين ليس خطيًا؛ إذ قد تعاقب الشعوب قادتها بسبب الأزمات الاقتصادية المرتبطة بالحروب، لكنها في الوقت ذاته قد تميل لدعم قيادات أكثر تشددًا عندما تشعر بتهديدات أمنية مباشرة. وهذا التناقض يجعل من أي تحول سياسي نتيجة لتوازنات دقيقة، لا مجرد موجة عاطفية عابرة.

 تمثل بودابست اليوم مرآة لصراع أعمق داخل أوروبا: صراع بين منطق الواقعية السياسية ومنطق المواجهة، بين البراغماتية والالتزام القيمي. وإذا ما شهدت المجر تحولًا حقيقيًا في قيادتها، فإن ذلك لن يكون حدثًا محليًا فحسب، بل إشارة إلى إعادة تشكل في المزاج الأوروبي، قد تعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة في القارة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment