فاروق غانم خداج *
في لبنانَ، لا يكونُ الاسمُ دائمًا مجرّدَ تعريفٍ بشخصٍ، بل قد يتحوّلُ إلى مساحةٍ للمعنى، وإلى لحظةٍ يلتقي فيها الفردُ مع صورةٍ أوسعَ عن وطنٍ يبحثُ عن نفسه. ومن هذا المنطلقِ، يبرزُ اسمُ ندى حمادة معوّض، ابنةُ بعقلين، لا بوصفِه حدثًا عابرًا، بل بوصفِه امتدادًا لمسارٍ لبنانيٍّ يربطُ بين الكلمةِ والفعلِ، وبين الفكرِ والمسؤوليّةِ.
في سياقٍ دبلوماسيٍّ دقيقٍ، ارتبطَ اسمُها بمسارِ اتصالاتٍ تجري ضمن أطرٍ دوليّةٍ معقّدةٍ، حيثُ شاركت بصفتِها سفيرةَ لبنانَ في واشنطن في لحظةٍ تتطلّبُ حضورًا مهنيًّا هادئًا، وقدرةً على التعاملِ مع أكثرِ الملفاتِ حساسيّةً.
وهنا، لا تُقاسُ الأهميّةُ بطبيعةِ الحدثِ فقط، بل بنوعيّةِ الحضورِ: حضورٌ يستندُ إلى معرفةٍ وخبرةٍ، ويعكسُ صورةَ لبنانَ القادرِ، حين تتاحُ الفرصةُ، على تقديمِ نماذجَ تمثيليّةٍ واثقةٍ ومتّزنةٍ.
الكفاءةُ كمسارٍ هادئٍ في الدولةِ
خبرةُ ندى حمادة معوّض في المؤسّساتِ الماليّةِ الدوليّةِ، وعملُها في ملفاتِ الاقتصادِ الكلّيّ، لا تقدّمُها كاستثناءٍ، بل كنموذجٍ لما يمكنُ أن تكونَ عليه الإدارةُ اللبنانيّةُ حين تتكاملُ المعرفةُ مع المسؤوليّةِ.
وفي بلدٍ متعدّدٍ كلبنانَ، تبقى الكفاءةُ أحدَ المساراتِ الطبيعيّةِ التي تنمو بهدوءٍ داخل المؤسّساتِ، حتّى وإن لم تكنْ دائمًا في الواجهةِ. وما يلفتُ في هذه التجربةِ هو قدرتُها على الجمعِ بين البعدِ التقنيّ والتمثيلِ الوطنيّ، في توازنٍ يحتاجُه العملُ العامُّ أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى.
بعقلين: ذاكرةُ الكلمةِ واستمراريّةُ الحضورِ
بعقلين، في هذا السياقِ، ليست مجرّدَ مكانٍ، بل ذاكرةٌ حيّةٌ للثقافةِ اللبنانيّةِ. منها خرجت ناديا حمادة تويني، التي حملتِ الكلمةَ إلى فضاءٍ إنسانيٍّ عميقٍ، وجعلت من الكتابةِ فعلَ حضورٍ لا مجرّدَ تعبيرٍ.
وفي امتدادٍ لهذا الأفقِ، يبرزُ حضورُ ندى حمادة معوّض كوجهٍ آخرَ لهذا العطاءِ: انتقالٌ من التعبيرِ بالكلمةِ إلى التعبيرِ بالفعلِ، من اللغةِ إلى القرارِ، من القصيدةِ إلى الدبلوماسيّةِ.
ليس التشابهُ هنا في المسارِ، بل في الجوهرِ: في القدرةِ على تمثيلِ لبنانَ بصورةٍ تتجاوزُ الظرفَ، وتلامسُ المعنى.
من بعقلين إلى العالمِ
وليس بعيدًا عن هذا الامتدادِ، تبرزُ أيضًا أمل علم الدين، التي خرجت من البيئةِ نفسها إلى فضاءٍ عالميٍّ، حيثُ التقتِ الثقافةُ اللبنانيّةُ بالمشهدِ الدوليّ في أحدِ أكثرِ وجوهِه حضورًا وتأثيرًا.
في هذا المعنى، لا تعودُ بعقلين مجرّدَ بلدةٍ تُنجبُ الأسماءَ، بل مساحةً يتكرّرُ فيها العبورُ من المحليّ إلى الكونيّ، كأنّها تُعيدُ تعريفَ نفسِها كلَّ مرّةٍ عبر أبنائِها.
الدبلوماسيّةُ كمساحةِ توازنٍ
في لحظاتِ التحوّلِ، تحتاجُ الدولُ إلى أصواتٍ هادئةٍ تعرفُ كيف تُديرُ التعقيدَ دون أن تفقدَ البوصلةَ. والدبلوماسيّةُ، في هذا المعنى، ليست فقط أداةَ تفاوضٍ، بل فنًّا في تمثيلِ الوطنِ بأفضلِ صورِه.
وما تعكسُه تجربةُ ندى حمادة معوّض هو هذا البعدُ تحديدًا: القدرةُ على الحضورِ في مساحاتٍ دقيقةٍ، دون ضجيجٍ، وبما يليقُ بصورةِ لبنانَ في الخارجِ، كبلدٍ يملكُ من طاقاتِه البشريّةِ ما يكفي ليكونَ حاضرًا في أصعبِ اللحظاتِ.
الاسمُ كمسؤوليّةٍ
في العمقِ، لا يُفهمُ الاسمُ في العملِ العامّ كرمزٍ فرديٍّ فقط، بل كمسؤوليّةٍ. وكلّما ارتبطَ الاسمُ بالجدارةِ، أصبحَ أقربَ إلى أن يكونَ مساحةَ ثقةٍ، لا مجرّدَ موقعٍ.
ومن هنا، لا يعودُ السؤالُ: من يُمثّلُ؟
بل كيف يُمثَّلُ لبنانُ؟ وبأيّ صورةٍ؟
خاتمةٌ: ثلاثةُ وجوهٍ… ومعنًى واحدٌ
قد تبدو الأسماءُ، في ظاهرِها، تفاصيلَ عابرةً في مشهدٍ واسعٍ، لكنّها في لحظاتٍ معيّنةٍ تتحوّلُ إلى إشاراتٍ على ما يمكنُ أن يكونَ عليه لبنانُ.
بين ناديا حمادة تويني، وندى حمادة معوّض، وأمل علم الدين، مساراتٌ مختلفةٌ، لكنّها تلتقي في معنًى واحدٍ:
لبنانُ الذي يعبّرُ بالكلمةِ،
ولبنانُ الذي يتحمّلُ المسؤوليّةَ بالفعلِ،
ولبنانُ الذي يحضرُ في العالمِ بثقةٍ ومعرفةٍ.
وفي هذا اللقاءِ بين الشعرِ والدبلوماسيّةِ والعدالةِ، تبرزُ صورةٌ أخرى للبنانَ:
لا كأزمةٍ فقط، بل كقدرةٍ دائمةٍ على إنتاجِ نماذجَ تستحقُّ أن تُروى.
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني













04/12/2026 - 22:53 PM





Comments