لبنان في مسار المفاوضات: ما الذي يُعاد ترتيبه خلف الكواليس؟

04/12/2026 - 07:23 AM

Arab American Target

 

 

سيلفانا سمعان

يقف لبنان اليوم أمام مرحلة سياسية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها التحولات الإقليمية مع الانسداد الداخلي المزمن، في ظل تصاعد الحديث عن مسارات تفاوض مع إسرائيل. هذا النقاش لم يعد نظرياً أو إعلامياً، بل بات جزءاً من واقع سياسي يتبلور تحت ضغط أمني متصاعد وتوازنات متغيرة على الأرض. ومع ذلك، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في فكرة التفاوض بحد ذاته، بل في غياب الشروط التي تجعل أي تفاوض قابلاً للإنتاج أو الاستمرار.

المعضلة الأساسية تتمحور حول سؤال واحد معقّد: هل يمكن إنتاج تسوية سياسية مستقرة في ظل وجود سلاح خارج إطار الدولة، أم أن أي محاولة تسوية تسبق معالجة هذا الملف تبقى معلّقة وغير قابلة للتطبيق؟ هذا التناقض لا يُختزل في خلاف سياسي تقليدي، بل يعكس بنية انسداد عميقة تجعل كل مسار محتمل يصطدم بعائق بنيوي قبل أن يتحول إلى نتائج ملموسة. المشكلة ليست في غياب المبادرات، بل في غياب نقطة انطلاق متفق عليها يمكن البناء عليها.

الأزمة اللبنانية لا يمكن قراءتها ضمن حدود الداخل فقط. فهي نتيجة تداخل معقّد بين مستويات إقليمية ودولية جعلت من لبنان ساحة تقاطع مصالح أكثر من كونه مساحة قرار سيادي مستقل. إسرائيل تتعامل مع الوضع باعتباره ملفاً أمنياً استراتيجياً مرتبطاً بإعادة ضبط قواعد الاشتباك على مستوى الحدود. في المقابل، ينظر حزب الله إلى السلاح باعتباره جزءاً من منظومة ردع إقليمية تتجاوز الإطار الوطني. أما الولايات المتحدة فتتعامل مع الملف من زاوية منع توسع المواجهة وضبط الإيقاع الأمني العام، دون الانخراط في فرض تسوية نهائية شاملة. في حين تركز أوروبا، وخصوصاً فرنسا، على أولوية الحفاظ على استمرارية الدولة اللبنانية ومؤسساتها، حتى في ظل غياب حل جذري للنزاع.

هذا التعدد في المقاربات لا ينتج تقارباً تدريجياً، بل يعمّق حالة الجمود. فكل طرف يتعامل مع الأزمة من زاويته الخاصة، من دون وجود مركز قرار قادر على توحيد المسارات أو فرض تسلسل منطقي للحل. والنتيجة هي حالة إدارة مستمرة للتوتر، بدل الانتقال نحو تسوية فعلية. أي أن الأزمة لا تُحل، بل تُدار ضمن سقوف منخفضة تمنع الانفجار لكنها لا تنتج استقراراً.

في هذا السياق، تصبح مسألة السلاح جزءاً من معادلة أشمل تتداخل فيها اعتبارات داخلية وخارجية في آن واحد. فمن جهة، لا يمكن تحويله إلى ملف داخلي صرف يخضع لحسابات سياسية محلية فقط، ومن جهة أخرى، لا يمكن الإبقاء عليه دون كلفة سياسية وأمنية تتصاعد مع الوقت. هذا التعارض يخلق حالة انسداد دائمة، حيث يبدو كل خيار ناقصاً: لا تسوية ممكنة بشروط كاملة، ولا استمرار ممكن دون تداعيات متراكمة.

لبنان بذلك لا يعيش أزمة تفاوض، بل أزمة بنية دولة. فالإشكالية تتعلق بقدرة النظام السياسي على إنتاج قرار سيادي نافذ، وبمدى قدرة المؤسسات على احتكار أدوات القوة فعلياً، في ظل توازنات داخلية غير مكتملة وتداخلات خارجية مؤثرة. هذه ليست مشكلة تقنية أو ظرفية، بل مسألة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها وحدودها الفعلية.

ضمن هذا المشهد، يمكن تحديد ثلاثة مسارات عامة محتملة. المسار الأول يتمثل في استمرار إدارة الأزمة بالصيغة الحالية: تهدئة متقطعة، اشتباك مضبوط ضمن قواعد غير مكتوبة، وتواصل سياسي غير مباشر لا يصل إلى اختراق حقيقي. هذا المسار يكرّس الاستقرار الهش من دون معالجة جذور المشكلة. المسار الثاني يقوم على تسويات تدريجية طويلة الأمد، تُبنى على تفاهمات جزئية أمنية وسياسية تخفف منسوب التوتر دون أن تعالج أصل الانقسام البنيوي. أما المسار الثالث، فهو الأكثر خطورة، ويتمثل في انهيار قواعد الضبط الحالية، بما قد يفتح الباب أمام تصعيد واسع خارج السيطرة، مع احتمالات امتداد إقليمي غير محدود.

المشترك بين هذه السيناريوهات أنها لا تقود إلى استقرار نهائي، بل إلى مستويات متفاوتة من إدارة المخاطر. حتى السيناريو الأكثر هدوءاً لا يخرج عن كونه إعادة تنظيم للأزمة ضمن شكل أقل حدة، وليس خروجاً فعلياً منها.

ما يزيد تعقيد المشهد أن عامل الزمن لا يعمل لصالح الاستقرار. فاستمرار الوضع القائم يعني تآكل تدريجي في مؤسسات الدولة، ضغط اقتصادي متصاعد، وتوسع الفجوة بين المجتمع والسلطة. ومع مرور الوقت، تتحول الأزمة من حالة سياسية قابلة للإدارة إلى حالة بنيوية مزمنة يصعب تفكيكها ضمن الأدوات التقليدية.

في النهاية، لا يبدو السؤال المطروح هو الحرب أو السلام، بل ما إذا كانت شروط التسوية نفسها ممكنة في ظل البنية الحالية. وإذا كان واضحاً أن العقد الجوهرية ما زالت قائمة وأن شروط الحل لم تنضج بعد، فعلى أي أساس يُفتح هذا المسار أصلاً؟ هل هو مسار تسوية فعلي، أم هندسة سياسية لمرحلة يُراد فيها تثبيت أن الدبلوماسية استُنفدت وأن ما بعدها أصبح جاهزاً؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment