ازدواجية الغضب في لبنان: حين يُصبح الاتهام طائفياً ويُدفن المنطق

04/12/2026 - 07:14 AM

Bt adv

 

الكاتب السياسي فرنسوا الجردي

في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، حيث تتقاطع الحرب مع الانهيار السياسي والاقتصادي، يبرز مشهد داخلي لا يقل خطورة عن التهديدات الخارجية: انفجار في الخطاب التحريضي، وازدواجية صارخة في توجيه الاتهامات، تُهدد ما تبقى من تماسك وطني.

في هذا السياق، يفرض الواقع السياسي نفسه بسؤال جوهري يلامس وجدان اللبنانيين: لماذا يتم حصر الغضب والاتهامات بـ ”الخيانة” أو “الصهينة” بشخصيات محددة مثل نواف سلام وجوزيف عون، بينما يتم تجاهل أدوار ومواقف أطراف أخرى فاعلة في القرار السياسي، وعلى رأسها نبيه بري؟

ازدواجية المعايير: بين المشاركة والصمت

الوقائع السياسية تشير بوضوح إلى أن القرارات الكبرى، كمسألة التفاوض أو الإجراءات الأمنية الحساسة (مثل طرح بيروت كمنطقة منزوعة السلاح)، لا تُتخذ من طرف واحد. بل تمر عبر مجلس الوزراء، حيث تتمثل قوى سياسية متعددة، ومنها قوى حليفة لنبيه بري.

هنا يبرز التناقض:

- إذا كانت هذه القرارات “خيانة”، فلماذا لم يُسجَّل اعتراض رسمي داخل المؤسسات؟

- ولماذا لم نشهد استقالات أو مواقف علنية رافضة من داخل السلطة نفسها؟

- وكيف يمكن تبرئة وزراء مشاركين في القرار، مقابل شيطنة رئيس الحكومة وحده؟

هذا التناقض لا يمكن تفسيره إلا بوجود انتقائية في توجيه الغضب، تخضع لحسابات سياسية وطائفية، لا لمعايير وطنية موحدة.

الشارع كأداة… أم كبديل عن المساءلة؟

الأخطر من ذلك، هو انتقال هذه الازدواجية إلى الشارع. فبدلاً من محاسبة القيادات السياسية ضمن بيئتها، يتم تصدير الغضب نحو “الآخر”، وتحويله إلى هتافات ذات طابع مذهبي، كما حصل في بعض شوارع بيروت.

هذا السلوك لا يعكس فقط خللاً في التعبير، بل يكشف عن أزمة أعمق:

عجز الجمهور عن مساءلة قياداته، فيلجأ إلى التنفيس في الاتجاه الأسهل والأكثر خطورة—تأجيج الانقسام الداخلي.

في المقابل، يغيب أي تحرك شعبي أمام مراكز القرار الفعلية، كعين التينة، حيث يقيم نبيه بري، رغم دوره المحوري في إدارة التوازنات السياسية. هذا الغياب يطرح علامات استفهام حول حدود الجرأة في الداخل، وحدود التصعيد في الخارج.

بين الخطاب العلني والكواليس

ما يزيد من تعقيد المشهد هو الفجوة بين ما يُقال في العلن وما يُتداول في الكواليس.

ثمة انطباع متزايد بأن بعض القوى السياسية تعتمد خطابين:

- خطاباً واقعياً داخل المؤسسات، يقوم على التفاوض وإدارة الأزمة.

- وخطاباً شعبوياً في الشارع، يقوم على التخوين ورفع السقوف.

هذا الازدواج يُنتج حالة من فقدان الثقة، حيث يشعر المواطن أن الحقيقة تُجزّأ بحسب الجمهور، وأن المواقف ليست مبدئية بل ظرفية.

أزمة منطق… لا فقط أزمة سياسة

المسألة هنا تتجاوز الأشخاص، لتصل إلى جوهر الممارسة السياسية في لبنان.

فإما أن يكون التفاوض خياراً وطنياً تفرضه موازين القوى، وعندها يجب تحمّل مسؤوليته جماعياً،

أو أن يكون “خيانة”، وعندها يجب أن يُرفض من الجميع، داخل المؤسسات قبل الشارع.

أما الجمع بين المشاركة في القرار ورفضه إعلامياً، فهو سلوك يهدم أي نقاش جدي، ويحوّل السياسة إلى مسرح للاتهامات المتبادلة.

الخطر الحقيقي: من الحرب إلى الفتنة

في ظل هذه المعادلة المختلة، يصبح الخطر الأكبر ليس فقط استمرار الحرب، بل انتقالها إلى الداخل.

فعندما يُستبدل النقاش السياسي بخطاب مذهبي، وعندما يُقاس “الوطنية” بهوية المتحدث لا بموقفه، نكون أمام وصفة جاهزة لانفجار داخلي.

لبنان، الذي فتح مناطقه وبيوته للنازحين في لحظات صعبة، لا يحتمل اليوم خطاباً يعيد تقسيمه نفسياً واجتماعياً.

خاتمة: إما معيار واحد… أو سقوط جماعي

ما يحتاجه لبنان اليوم ليس اصطفافاً جديداً، بل معياراً واحداً يُطبّق على الجميع:

- من يشارك في القرار يتحمّل مسؤوليته.

- من يعارض، يعارض من داخل المؤسسات أولاً.

- ومن ينزل إلى الشارع، يرفع شعاراً وطنياً لا مذهبياً.

أما الاستمرار في انتقائية الاتهام، وتحييد بعض الرموز مقابل استهداف أخرى، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الشرخ، وتكريس منطق الغلبة بدل منطق الدولة. وفي لحظة مصيرية كهذه، لا يعود السؤال: من هو على حق؟ بل: هل ما زال هناك منطق يُحكم هذا البلد؟

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment