رشيد ج. مينا
منذ إعلان لبنان الكبير، والبلاد تعيش دوامة اللااستقرار واللاسيادة. لكن كل ما جرى في الماضي، لا يوازي ما انكشف بعد عملية طوفان الأقصى وحروب الإسناد، ووحدة الساحات: توسّع إسرائيلي ممنهج، تدمير لا حدود له، ومحاولة تصفية شاملة لما تبقى من القضية الفلسطينية، واستمرار للعدوان على لبنان وتوسع للصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، والهدنة الهشة ومفاوضات الإلهاء… كل ذلك ضمن مشروع دولي طويل الأمد، والعرب – ولبنان في طليعتهم – خارج الحساب.
هل سيبقى لبنان ينتظر ما يُرسم له؟ وهل يملك الشعب اللبناني، وشبابه خصوصًا، القدرة على استعادة القرار والمصير؟
"لبنان في قلب الصراع... هل آن أوان التحرّر من التكرار؟"
انظر إلى الواقع اللبناني جيدًا... لا كما يبدو اليوم فقط، بل كما تشكّل عبر قرن من التقلّبات، قبل أن تبدأ محاولات استنساخه في دول الجوار. فالانهيار اللبناني لم يولد من لحظة، بل هو نتاج مسار طويل من اللااستقرار المزمن، تنقّل بين مراحل من الازدهار النسبي، وسرعان ما تخللتها خضّات وانتفاضات، تحت عناوين وطنية أو مذهبية أو خارجية.
منذ إعلان "لبنان الكبير" والبلاد تعاني من خلل بنيوي دائم:
– توازن هش بين الطوائف،
– ضعف في بناء الهوية الوطنية،
– تبعية للخارج... بعضها باسم "الانتماء القومي"، وبعضها الآخر باسم "الارتباط الثقافي بالغرب".
ثم جاءت نكبة فلسطين، وتحوّل لبنان إلى ساحة للعمل الفدائي، وتكاثرت التنظيمات المسلحة، وتداخلت الأجهزة والمشاريع. لاحقًا دخلت الوصاية السورية، فعمّ الإقصاء والترويض، ثم توالت الحروب الإسرائيلية، وتكرّس التمدد الإيراني عبر حزب الله، حتى باتت صورة لبنان اليوم أقرب إلى ساحة نزاع إقليمي ودولي منه إلى دولة ذات سيادة.
عملية حماس في 7 تشرين الأول، وما رافقها تحت عنوان إسناد ووحدة ساحات، وما تلاها من دمار، واستمرار للعدوان الإسرائيلي على لبنان، واتساع للصراع الإقليمي، ليست سوى فصل جديد في هذا المسار. لكن أصحاب البصيرة يعرفون أن الصورة كانت واضحة منذ البداية: مشروع أمريكي طويل الأمد يهدف إلى إحكام السيطرة على الشعوب والدول والموارد والممرات، وتفكيك أي بنية استقلالية حقيقية، سياسية كانت أو اجتماعية أو حتى رمزية.
لبنان، كما غيره من الدول الضعيفة البنية، تحوّل إلى ضحية دائمة. لا قدرة له على المبادرة، ولا إمكانيات لفرض نفسه، وسط أنظمة عربية حاكمة شغلها الشاغل هو البقاء في السلطة، لا مواجهة التحديات. أنظمة تُكمّم الأفواه وتخنق الحريات، وشعوب تفتقر إلى قوى حية وحرّة قادرة على البناء، بعد أن استُهلكت نخبها، ووقع كثير منها في التبعية والوصولية.
أمام هذا الواقع، يبرز السؤال المفصلي: لبنان إلى أين؟
– هل سيظل ينتظر ما يُرسم له في الخارج؟
– هل الشعب اللبناني، وشبابه تحديدًا، عاجز عن الإمساك بزمام المبادرة؟
– هل ما زال هناك أمل في التغيير، بوجود طبقة سياسية مافيوية لا تعرف من المصلحة الوطنية إلا اسمها؟
لقد دفع لبنان أثمانًا باهظة، وكان دائمًا في طليعة المدافعين عن القضايا العادلة، وفي مقدمتها فلسطين. لكنّ ذلك لا يُغني عن حقه في بناء دولته، واستعادة قراره.
الإنقاذ الحقيقي يبدأ من هنا:
– تحرير الإرادة السياسية من التبعية،
– بناء دولة المؤسسات الوطنية،
– حصر السلاح بيد الدولة والقوى الشرعية،
– ترسيم الحدود،
– تحرير ما تبقى من أرض محتلة،
– استعادة العلاقات الطبيعية مع سوريا والعمق العربي،
– استنهاض طاقات الشباب في مشروع وطني جديد.
لا نملك ترف الوقت. ولا الواقع اللبناني، بكل ما فيه من معاناة، يتحمّل الانتظار أكثر. وعلى السلطة، إن كانت هناك بقايا إرادة فيها، أن تُعيد النظر بنفسها، وتباشر التغيير من الداخل، قبل أن يجرفها طوفان الخارج. المعادلات تتغير، والصراعات تتسارع، ولا أحد يستطيع التنبؤ بما هو آت... لكن المؤكد أن من لا يصنع مستقبله، سيُسحق في مشاريع الآخرين.













04/11/2026 - 10:58 AM





Comments