لَيْسَ أَخْطَرُ مَا فِي الفِصْحِ أَنْ يَحْدُثَ…
بَلْ أَنْ يَحْدُثَ دُونَ أَنْ يُغَيِّرَ.
بَدَلَ أَنْ نَفْصَحَ… هُوَ فَصَحَ.
فَصَحَ…
أَي تَقَدَّمَ، دَخَلَ، عَبَرَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَر.
لَبِسَ ثِيَابًا تَلِيقُ بِالمَكَانِ الجَدِيدِ، وَأَصْبَحَ آخَر.
تَحَمَّلَ مَسْؤُولِيَّةَ مُسْتَقْبَلِهِ، وَجَدَّدَ انْتِظَارَاتِهِ وَتَوَقُّعَاتِهِ، وَشَقَّ طَرِيقًا جَدِيدًا يَقُودُهُ إِلَى بَيْتٍ جَدِيدٍ.
أَرْسَى قَوَاعِدَهُ، وَنَظَّمَ حَيَاتَهُ عَلَى إقَاعِ العُبُورِ
مِنْ قَبِيلَةٍ… إِلَى شَعْبٍ.
لَكِنَّهُ، خَرَجَ عَبْدًا مِنْ عُبُودِيَّةٍ، وَدَخَلَ عَبْدًا فِي أُخْرَى.
فَخُرُوجُهُ وَدُخُولُهُ سَوَاءٌ، لِأَنَّ العُبُودِيَّةَ لَيْسَتْ قَيْدًا خَارِجِيًّا… بَلْ اخْتِيَارًا يَصْنَعُهُ الإِنْسَانُ فِي دَاخِلِهِ.
فَإِمَّا عُبُودِيَّةُ قَهْرٍ تُقَيِّدُهُ، وَإِمَّا عُبُودِيَّةُ مَحَبَّةٍ يَخْتَارُهَا بِإِرَادَتِهِ الحُرَّة.
كَانَ فِرْعَوْنُ السِّجْنِ… وَبَعْدَ التَّحَرُّرِ، صَارَ هُوَ نَفْسُهُ السِّجْن.
فَبَقِيَ الشَّعْبُ عُنْوَانًا، وَجَوْهَرُهُ… قَبِيلَة.
وَهُنَا، فَقَدَ الفِصْحُ جَوْهَرَهُ، وَلَمْ يُحَقِّقْ تَغْيِيرًا… بَلْ نَقْلًا.
هَذَا حَالُ مَنْ فَصَحَ فِي الزَّمَنِ الأَوَّلِ.
أَمَّا اليَوْم…
وَفِي كُلِّ لَحْظَةٍ، فَالإِنْسَانُ أَمَامَ التَّجْرِبَةِ نَفْسِهَا:
هَلْ يَنْتَظِرُ فِعْلَ اللَّهِ…
أَمْ يَسْتَبِقُهُ بِفِعْلِهِ؟
أَحْيَانًا، حِينَ يَمَلُّ الإِنْسَانُ مِنَ الِانْتِظَارِ، يَتَدَخَّلُ بِنَفْسِهِ…
فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَنْتَظِرَ فِصْحَ الرَّبِّ، يُبَادِرُ هُوَ.
كَمَا فَعَلَ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَةُ،
حِينَ مَلَكَ اليَأْسُ قَلْبَيْهِمَا،
فَتَصَرَّفَا وَفْقَ مَفَاهِيمِ ذلك الزَّمَنِ…
فَكَانَ الفِعْلُ بَشَرِيًّا،
وَلَمْ يَكُنِ الوَعْدُ كَذَلِكَ.
لَكِنَّ اللَّهَ…
كَانَ يَعْمَلُ فِي الخَفَاءِ، لِيُحَقِّقَ وَعْدَهُ بِطَرِيقَةٍ أَسْمَى.
وَفِي المُقَابِل… هُنَاكَ انْتِظَارٌ آخَر، لَيْسَ عَجْزًا… بَلْ إِيمَانًا.
كَمَا فِي مَرْيَمَ:
«نَعَمْ… أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ».
وَكَذَلِكَ يُوسُفُ البَارُّ، الَّذِي أَطَاعَ الصَّوْتَ، وَسَارَ فِي النُّورِ.
هُنَا، يُثْمِرُ الِانْتِظَارُ قُوَّةً، تَتَجَاوَزُ كُلَّ تَصَرُّفٍ بَشَرِيٍّ.
وَهُنَا… لَمْ يَعُدِ الفِصْحُ عُبُورًا فِي الزَّمَانِ، بَلْ صَارَ عُبُورًا فِي الإِنْسَانِ.
مِنْ عُبُورٍ… إِلَى عِلَاقَةٍ،
مِنْ ذَبِيحَةٍ… إِلَى رَحْمَةٍ،
مِنْ كَلِمَةٍ فِي شَرِيعَةٍ… إِلَى رُوحٍ فِي المَحَبَّةِ.
هُنَا،
لَمْ يَعُدِ الإِنْسَانُ يَعْبُرُ نَحْوَ اللَّهِ…
بَلِ اللَّهُ هُوَ الَّذِي عَبَرَ نَحْوَ الإِنْسَانِ.
صَارَ اللَّهُ إِنْسَانًا، لِيُشَارِكَهُ الإِنْسَانَ حَيَاتَهُ الإِلَهِيَّةَ.
لِيَجْعَلَ المَحَبَّةَ
لَا تُحْكَى… بَلْ تُعَاشُ،
وَلَا تُفْرَضُ… بَلْ تُحَبُّ.
فِصْحٌ مَجيدٌ… لِمَنْ يَعْبُرُ فِيهِ، لَا لِمَنْ يَكْتَفِي بِرُؤْيَتِهِ.
خِرْبَشَاتُ طِفْلٍ
بِقَلَمِ الإِبْنِ الضَّالِّ… إِذَا تَابَ.













04/10/2026 - 22:37 PM





Comments