الكاتب السياسي فرنسوا الجردي
لم يعد الشعور المسيحي في لبنان محصورًا بإطار القلق العابر الناتج عن أزمة اقتصادية أو سياسية، بل تحوّل لدى شريحة واسعة إلى قناعة بأن ما يجري يتجاوز الانهيار العام، ليطال جوهر الوجود والدور. هذا الشعور، سواء اتفقنا معه كليًا أو جزئيًا، لا يمكن تجاهله أو التقليل من أهميته، لأنه يعكس حالة نفسية وسياسية متراكمة تحتاج إلى قراءة هادئة وموضوعية.
الواقع اللبناني اليوم هو نتاج تداخل معقّد بين عوامل داخلية وخارجية: انهيار الدولة، اختلال ميزان القوى، الصراعات الإقليمية، والشلل المؤسساتي. ضمن هذا المشهد، يشعر المسيحيون بأنهم يدفعون كلفة مضاعفة، ليس فقط على مستوى الأمن أو الاقتصاد، بل على مستوى الأرض والديموغرافيا والدور السياسي.
في ملف الأرض، تبرز هواجس جدية مرتبطة بملكية الأراضي، خصوصًا في المناطق ذات الغالبية المسيحية، حيث يُخشى من تغييرات تدريجية في هوية هذه المناطق نتيجة ضغوط اقتصادية أو تشريعية أو حتى تنظيمية. أما في البعد الديموغرافي، فإن استمرار وجود أعداد كبيرة من النازحين لفترات طويلة، من دون رؤية وطنية واضحة لإدارة هذا الملف، يخلق توترًا صامتًا ويغذّي مخاوف مرتبطة بالتوازنات الدقيقة التي يقوم عليها النظام اللبناني.
سياسيًا، يبدو أن الإشكالية الأعمق تكمن في تراجع القدرة التأثيرية للمسيحيين في القرارات السيادية الكبرى. فالقضايا المفصلية، من السياسة الخارجية إلى خيارات الحرب والسلم، تُدار غالبًا خارج إطار التوازنات التقليدية التي قام عليها النظام. هذا الواقع لا يقتصر تأثيره على المسيحيين وحدهم، بل يطال مفهوم الشراكة الوطنية ككل، ويهدد صيغة لبنان القائمة على التعدد والتوازن.
لكن، في مقابل هذه الصورة القاتمة، من الضروري التمييز بين الشعور بالخطر وبين حتمية الانحدار. فلبنان، بطبيعته، لم يكن يومًا محكومًا بمعادلات ثابتة، بل بقي قائمًا على قدرة مكوناته على إعادة إنتاج التوازنات عند كل مفصل تاريخي.
أين تكمن المخارج؟
أولًا، لا يمكن معالجة أي هواجس وجودية خارج إطار الدولة. إعادة بناء الدولة القادرة ليست خيارًا سياسيًا، بل شرط بقاء لجميع اللبنانيين. دولة تحتكر القرار السيادي، وتفرض تطبيق القوانين، وتدير الملفات الحساسة – من الأرض إلى النزوح – وفق معايير وطنية واضحة.
ثانيًا، يحتاج المسيحيون إلى إعادة تنظيم حضورهم السياسي، ليس بمنطق الانكفاء أو المواجهة العاطفية، بل عبر بناء رؤية موحّدة حول القضايا الأساسية: اللامركزية، إدارة الموارد، حماية الملكيات، وتعزيز المشاركة في القرار. التشرذم الداخلي كان ولا يزال أحد أبرز عوامل إضعاف الدور.
ثالثًا، لا بد من مقاربة ملف النزوح بمقاربة وطنية شاملة، توازن بين البعد الإنساني والمصلحة اللبنانية. استمرار هذا الملف من دون ضوابط أو خطة عودة واضحة سيبقى مصدر قلق حقيقي، ليس للمسيحيين فقط، بل لكل اللبنانيين.
رابعًا، المطلوب إعادة إحياء مفهوم الشراكة الوطنية. أي شعور بالتهميش لدى أي مكوّن لبناني سيؤدي حتمًا إلى اختلال أكبر في النظام. معالجة هذا الخلل تبدأ بالاعتراف به، ثم بإعادة إدماج جميع الأطراف في صناعة القرار، وفق الدستور ومندرجاته.
خامسًا، على القوى المسيحية، كما سائر القوى، الانتقال من خطاب الخطر إلى خطاب الحل. تضخيم المخاوف من دون تقديم بدائل عملية قد يعمّق الأزمة بدل معالجتها.
في الخلاصة، ما يعيشه المسيحيون في لبنان هو تعبير عن أزمة وطنية شاملة، لكنه يحمل خصوصية تتعلق بدورهم التاريخي وحساسيتهم تجاه التوازنات. التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توصيف المشكلة، بل في القدرة على تحويل هذا القلق إلى مشروع سياسي وطني يعيد تثبيت الشراكة ويمنع الانزلاق نحو مزيد من التفكك.
لبنان لا يُبنى بغلبة فريق على آخر، ولا يُحفظ بتراجع مكوّن أساسي فيه، بل بتوازن دقيق يعاد إنتاجه باستمرار. وأي مسار يهدد هذا التوازن، سيضع الجميع، عاجلًا أم آجلًا، في قلب المواجهة نفسها.













04/10/2026 - 17:31 PM





Comments