
أحمد رافع قدور
بركات شاهين
عندما اشتدّ المرض على المرحوم أبو رافع وبدأ النزيف ينهش جسده من الداخل، كان يحمل في أعماقه وجعًا أعمق من الألم الجسدي؛ وجع السجون الطيّارة في سراقب، تلك التي خُصّصت للتصفية السريعة، إمّا بالتعذيب حتى الموت، أو بالرصاص المباشر. هناك، تكسّرت روحه قبل جسده، وامتدّ الألم ليصير جزءًا من حكايته.
تحت وطأة التعذيب، تمّ نقله على عجل باتجاه الحدود التركية، إلى أحد مشافي النازحين السوريين، في محاولة يائسة لإيقاف النزيف في أمعائه. لكنّ الأطباء كانوا يدركون، كما كان هو يدرك، أنّ الأجل بات قريبًا… أيّام قليلة تفصله عن الرحيل.
اتصل بي يومها، وهو على فراش الموت، مودّعًا بصوتٍ أثقله المرض قائلاً :
“هذا الموت هو الأصعب في حياتي… بين ثلاثة :
الأول، يوم دفنّا الوطن…
والثاني، يوم اعتقالي…
والثالث وأنا أموت وحيدًا بين أربعة جدران.”
ثم تابع بصوتٍ خافتٍ متكسّر:
“أموت بعيدًا عن أسرتي… ابني الأوّل في كندا، والثاني في ألمانيا، والثالث في مرفأ بيروت بتأهب للرحيل … بناتي في حلب، وزوجتي المريضة في إدلب… وكلٌّ منّا يحمل غربته وحده.”
هكذا رحل صديقي أحمد رافع قدور من سراقب ، لا كحالة فردية، بل كصوتٍ مكثّف لمأساة شعبٍ كامل. كان أيقونةً للاغتراب السوري، حيث لا يقتصر المنفى على الجغرافيا، بل يمتدّ ليصير حالة وجودية يعيشها الإنسان حتى لحظة موته.
ليست حكاية أحمد رحمه الله سوى صفحة من كتاب الألم السوري المفتوح، لكنها صفحة تختصر الكثير: الفقد، التشتّت، القهر، والوحدة. و الإغتراب حتى الموت..













04/10/2026 - 11:34 AM





Comments