ما الذي ينتظر لبنان وما هي مصالحه من أي سلام محتمل مع إسرائيل
واشنطن - ليلى ابو حيدر
الجولة الأولى من مفاوضات السلام بين لبنان وإسرائيل ستُعقد في واشنطن يوم الثلاثاء المقبل على مستوى السفراء، بتمثيل لبنان عبر السفيرة ندى معوض، والولايات المتحدة عبر ميشال عيسى، وإسرائيل عبر سفيرها في واشنطن يحئيل لايتر.
تأتي هذه الجولة في ظل تباين واضح في المواقف حول شروط إجراء المحادثات، لا سيما حول مسألة وقف النار التي يصر عليها الجانب اللبناني بينما تشير تصريحات إسرائيلية إلى أن المفاوضات قد تجري "تحت النار". كما أفادت تقارير بأن الإدارة الأميركية دعت إلى تخفيف حدة الضربات في لبنان بدلاً من وقفها الكامل، في سياق مساعيها الأوسع لنجاح مفاوضات إقليمية مع إيران.
المفاوضات والرهانات الإقليمية
المحادثات ستجري في سياق إقليمي متقلب، حيث أثّرت التطورات العسكرية والسياسية في السنوات الأخيرة على موازين القوى في المنطقة. تصريحات قادة إسرائيليين عن رغبتهم في تحقيق "اتفاق تاريخي" مع لبنان ترافقت مع استمرار الضربات ضد أهداف مرتبطة بحزب الله، بينما بدا أن بعض الأطراف الدولية تسعى لخلق نافذة دبلوماسية لتقليص التصعيد أو إعادة ترتيب الأوضاع على الحدود الشمالية لإسرائيل. المحادثات الحالية تُقرأ أيضاً في ضوء مبادرات إقليمية سابقة ومحاولات ربط أي تسوية مع ملفات أوسع تشمل إيران والاتفاقات الإقليمية.
الموقف اللبناني وشروطه الأساسية
أبلغت مصادر رسمية أن لبنان يضع شرط وقف النار كأحد الأسس الضرورية لأي محادثات رسمية، وهو موقف أكده رئيس الجمهورية جوزاف عون قبل إعلان أي موافقة إسرائيلية على التفاوض. الجانب اللبناني يرى أن أي مفاوضات يجب أن تُجرى في بيئة تمنع استمرار الخسائر البشرية والدمار في البنى التحتية، وأن تضمن حماية المدنيين ووقف العمليات العسكرية كشرط لنجاح أي حوار سياسي أو تفاوضي. في المقابل، تؤكد تقارير إسرائيلية أن بعض مواقف حكومتها لا تزال تربط التقدم العسكري بأهداف أمنية وسياسية أوسع.
ماذا يعني السلام بالنسبة إلى لبنان؟ مصالح مباشرة واستراتيجية
تحليل مصالح لبنان من أي اتفاق سلام مع إسرائيل يتطلب تمييزاً بين فوائد فورية ومكاسب متوسطة وطويلة الأمد، وكذلك المخاطر والتحديات السياسية والأمنية الداخلية.
1. فوائد اقتصادية وتنموية
خبراء اقتصاديون ومراكز بحثية تشير إلى أن السلام يمكن أن يخفف من مخاطر الاستثمار ويعيد الثقة في الاقتصاد اللبناني، ما قد يفتح الباب أمام تدفقات استثمارية مباشرة، دعم دولي ومؤسساتي، وإعادة إحياء قطاعات مثل السياحة والتجارة والطاقة. دراسات تقارن تجارب دول عربية طورت اقتصاداتها بعد تطبيع العلاقات مع إسرائيل تشير إلى إمكانات جذب استثمارات في التكنولوجيا والزراعة والطاقة المتجددة، إضافة إلى تسهيل وصول المساعدات الدولية.
2. استقرار أمني وحدودي
اتفاق سلام منظم يمكن أن يقلص احتمالات اندلاع مواجهات متكررة على الحدود، ويخفض كلفة الأمن على الدولة والمجتمع، ويتيح إعادة توجيه الموارد نحو الخدمات العامة وإعادة الإعمار. مع ذلك، تحقيق استقرار فعلي يتطلب آليات رقابة على الحدود وضمانات لعدم تجدد الأعمال المسلحة من قبل فصائل مسلحة، وهو ما يمثل تحدياً سياسياً وأمنياً داخلياً.
3. عودة الدولة إلى سيادة كاملة
مفاوضات سلام قد تُصاغ كفرصة لإعادة تأكيد سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، شرط أن تتضمن ترتيبات واضحة بشأن السلاح غير الشرعي والسلطة الأمنية. هذا البُعد حساس داخلياً لأن أي اتفاق يتقاطع مع وجود فصائل مسلحة داخل لبنان، ويستلزم توافقاً وطنياً واسعاً وإجراءات تنفيذية قابلة للقياس.
4. فتح آفاق دبلوماسية وإقليمية
سلام مع إسرائيل قد يضع لبنان في موقع مختلف إقليمياً، ما يتيح له الانخراط في مبادرات اقتصادية إقليمية وربما الاستفادة من وساطات دولية لملفات أخرى. لكن هذا الربط قد يثير ردود فعل داخلية وإقليمية، خصوصاً من دول أو فصائل ترى في التطبيع تنازلاً عن قضايا إقليمية حساسة.
مخاطر وتحديات داخلية وخارجية
رغم الفوائد المحتملة، يواجه أي مسار سلام عقبات كبيرة: الانقسام السياسي الداخلي حول شروط التفاوض، دور الفصائل المسلحة وتأثيرها على القرار الوطني، الضغوط الإقليمية من أطراف ترى في أي تسوية تهديداً لمصالحها، واحتمال أن تُستخدم شروط السلام كأداة للضغط السياسي أو لإعادة ترتيب النفوذ في لبنان. كما أن أي اتفاق لا يتضمن ضمانات ملموسة لتفكيك أو تقنين السلاح غير الشرعي سيبقى هشاً ومعرضاً للانهيار.
معايير نجاح أي مسار تفاوضي بالنسبة إلى لبنان
نجاح المفاوضات لا يُقاس فقط بتوقيع اتفاق، بل بمدى قدرته على تحقيق وقف دائم للأعمال العدائية، حماية المدنيين، تعزيز سيادة الدولة، وفتح نافذة اقتصادية قابلة للتحقق. لبنان أمام اختبار دبلوماسي وسياسي داخلي وخارجي؛ فإذا ما نجح في تحويل أي تفاوض إلى مكسب ملموس للشعب، أمنياً واقتصادياً وسياسياً، فسيكون لذلك أثر بالغ على استقرار البلاد وإمكاناتها المستقبلية. أما الفشل أو اتفاق هشّ فقد يفاقم الانقسامات ويُبقي لبنان في دائرة عدم الاستقرار.













04/09/2026 - 23:07 PM





Comments