بقلم: ناجي علي أمهز
يقول ميشال شيحا: "مصيبة لبنان أنه وطن لا يعرف أن يموت".
لبنان، هذا الكيان الذي لم يُكتب له أن يعيش إلا على حافة التناقض، استيقظ بالأمس على مشهدٍ يكاد يختصر تاريخه كله: وطنٌ صغير، محكوم بأن يكون ساحةً حين تعجز الأمم عن ضبط شهواتها، ومختبراً حين تفشل في امتحان إنسانيتها.
ما جرى لم يكن مجرد عدوان، بل كان امتحاناً جديداً لفكرة لبنان نفسها. أيّ معنى يبقى لوطنٍ تُقصف مدنه، لا لشيء إلا لأنه قائم؟ وأيّ منطق يمكن أن يبرر أن تتحول الجغرافيا إلى عقوبة، والناس إلى أرقام، والحياة إلى تفصيلٍ عابر في نشرة أخبار؟
قد تقول إسرائيل إنها تستهدف طائفة أو قوة بعينها، وقد تتذرع بالأمن والردع، لكن هذه الحجج، على ما فيها من تكرارٍ مملّ، تسقط أمام حقيقة واحدة: إن لبنان، كفكرة، هو المستهدف. فحين يُضرب المجتمع في عمقه، لا يعود السؤال من أُصيب، بل ماذا تبقى.
ومن يصدق اسرائيل بانها فقط تقصف من يقاتلها، هو يشابه "الفحام" الذي صدق "التاجر" بانه حرق الغابة ليصطاد "عصفور التين".
بالختام الدم والتراب لبنانية.
لبنان ليس مجرد جغرافيا، بل هو صيغة دقيقة من العيش المشترك، توازن هشّ لكنه ثمين. وكل ضربة تصيبه إنما تصيب هذا التوازن في الصميم. إن من يقصف المدن يدرك أنه يقصف فكرة لبنان، وأن الأفكار، حين تُستهدف، إما أن تموت… أو أن تتحول إلى قدر.
في هذا المشهد الثقيل، تتداخل المأساة الشخصية مع المأساة الوطنية. يسقط شهداء من عائلاتنا، من لحمنا وذاكرتنا، فنكتشف أن الوطن ليس مفهوماً نظرياً، بل هو شرايين من الاحاسيس والذكريات، التي تتألم حين نُصاب. وحين يرحل أمثال الشيخ صادق النابلسي، لا نخسر فرداً فقط، بل نخسر صوتاً كان يحاول، على طريقته، أن يفسر هذا الشرق المعقّد.
أذكر حين عرّفني عليه قبل سنوات شقيقه الشHIد الكبير الحاج محمد عفيف، يومها في سياق معالجة خلاف فكري بينه وبين شخصية مسيحية. اخبرني ان والده الراحل العلامة اية الله النابلسي علمهم منذ الصغر ان الاختلاف في السياسة يبق في السياسة فقط، انما في المجتمع والحياة فان اللحمة الوطنية هي المعيار الوطني الديني والانساني الوحيد.
أما القلق على سماحة العلامة يوسف سبيتي، فهو قلق على معنى الاعتدال في زمن الإفراط، وعلى صورة رجل الدين حين يكون ضميراً إنسانياً وحارساً للحوار والتقارب وتقبّل الآخر. لقد سمرني الخبر عنه، وكيف لا، وهو — رغم أنني لم ألتقِ به شخصياً — كان من الذين وقفوا معي حين اعترض البعض على ما أكتب. كان يقول لمن حوله: "اتركوا ناجي أمهز يكتب ما يريد، فهو قيمة مضافة ويمثل الجانب الآخر من الطائفة"، حتى إنه سجل لي رسالة بصوته قائلاً: "اكتب ما تريد وكيفما تريد، ولو كنت أُمانع عليك لطلبتُ منك أن تكتب في اليوم الواحد مرات عديدة". فلبنان، في عمقه، يحتاج إلى هذه النماذج أكثر مما يحتاج إلى الشعارات.
وعندما ودّعنا مثلث الرحمات الآباتي أنطوان ضو في مثل هذه الأيام الحزينة قبل عام، لم نودّع راهباً فحسب، بل ودّعنا جزءاً عظيما من روح لبنان. ودّعنا مرحلة من الفهم العميق لهذا البلد؛ ذاك الفهم الذي أدرك أن لبنان لا يقوم إلا على جسورٍ لا تُرى، تُبنى بين الطوائف لا بالحسابات، بل بالثقة والمحبة. لقد كان من الذين فهموا أن العلاقة بين الموارنة والشيعة ليست تفصيلاً عابراً، بل جزء من توازن الكيان نفسه بل العالم نفسه.
بالامس صرح ترامب بانه لم يجد دولة مسيحية واحدة تقف معه بحربه على ايران، من حلف الناتو واعتراض فرنسا وغضب اسبانيا، وامتناع بريطانيا، ورفض الفاتيكان الكامل لهذه الحرب.
لبنان، في جوهره، ليس انتصار فئة على أخرى، ولا غلبة عقيدة على أخرى، بل هو تسوية دائمة بين حقائق متناقضة. ومن يظن أنه يستطيع إلغاء هذا التناقض، إنما يساهم في إلغاء لبنان.
إن الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في القصف، بل في ما يخلّفه في النفوس: في تآكل الضمير، في اعتياد المأساة، وفي تحوّل الإنسان إلى رقم. هنا تكمن الخسارة الكبرى؛ لأن الأوطان قد تُبنى من جديد، أما الإنسان، إذا فقد إنسانيته، فقلّما تُستعاد.
قد تدخل الدول في حسابات الحرب، وقد تتبدل التحالفات، وقد يقول هذا الزعيم أو ذاك ما يشاء، لكن لبنان، في نهاية المطاف، لا يُحفظ إلا من داخله: لا بالمدافع، بل بالوعي؛ لا بالشعارات، بل بالاعتراف المتبادل.
ولهذا، فإن الدعوة اليوم ليست إلى موقف سياسي بقدر ما هي إلى موقف أخلاقي إنساني وطني: أن نرفض أن نكون ضد بعضنا، حتى حين نختلف؛ وأن نفهم أن من لا يريد الحرب مع إسرائيل، لا يملك الحق في تحويل السلم إلى نزاع داخلي. وأن الحد الأدنى من الوطنية هو ألا نكمل ما بدأه الخارج.
لبنان لا يموت بضربة، بل يموت حين يفقد أبناؤه إيمانهم ببعضهم، فيفقدون إيمانهم به كوطنٍ نهائي لجميع أبنائه.
فلنحفظ ما تبقى: ضميراً، قبل الأرض.













04/09/2026 - 13:30 PM





Comments