في كلِّ عام، نقفُ أمامَ الصليب…
ننظر، نتأثّر، وربّما نبكي.
لَكِنْ، قَليلون هُم الَّذين يَجرؤون على طَرح السُّؤال الأخْطَر:
مَاذا فَعَلْنَا بَعدَما رأينا؟
أَمَامَ المَصْلُوب… مَاذَا رَأَيْتُ؟
لَيْسَ الصَّلِيبُ مَشْهَدًا فَقَطْ… بَلْ مِرْآةٌ تَعْكِسُ مَا فِينَا، وَتَدْعُو كُلَّ قَلْبٍ أَنْ يَخْطُو إِلَى النُّورِ أَوْ يَبْقَى فِي الظِّلِّ.
مَاذَا رَأَيْتُ؟
لَيْسُوا كَثِيرِينَ… بَلْ وَاحِدٌ، يَتَكَاثَرُ فِي دَاخِلِي.
أَقِفُ هُنَاكَ، أَرَى الجَسَدَ المَعْلَقَ بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَالدَّمُ يَسِيلُ كَأَنَّهُ يَنْطِقُ بِحَقِيقَةٍ لَا تُخْفَى، وَالْخَشَبُ يَئِنُّ تَحْتَ وَزْنِ الأَلَمِ… ألمَ خَطَايَا العَالَم.
فَأُدْرِكُ أَنَّ المَشْهَدَ لَيْسَ خَارِجًا عَنِّي، بَلْ قَائِمٌ فِيَّ.
فِيَّ مَنْ يَرْتَجِفُ قَلْبُهُ، يَنْكَسِرُ أَمَامَ الوَجَعِ، تَتَسَاقَطُ دُمُوعُهُ كَالْمَطَرِ عَلَى الأَرْضِ الحَارِقَةِ… لَكِنَّهُ يَخَافُ الاقْتِرَابَ.
فَالاقْتِرَابُ سَيُحْرِقُ كُلَّ حَوَاسِّهِ، وَيُغَيِّرُهُ إِلَى الأَبَدِ.
فِيَّ مَنْ يَقِفُ بَعِيدًا، عَيْنُهُ تُرَاقِبُ الصَّلِيبَ بِلَا أَلَمٍ، بِلَا فَرَحٍ… مُجَرَّدُ فَرَاغٍ يَمُرُّ عَلَى المَشْهَدِ كَمَا يَمُرُّ نَسِيمُ صَيْفِيٍّ عَابِرٍ، دُونَ أَنْ يَلْمِسَ الرُّوحَ.
وَفِيَّ مَنْ يَعْرِفُكَ يَا رَبّ، لَا كَخَبَرٍ، بَلْ كَحَقِيقَةٍ.
يَدْرِكُ أَنَّ الصَّلِيبَ طَرِيقٌ، وَالْدَّمُ بَذْلٌ لَا يُخْتَصَرُ…
لَكِنَّهُ حِينَ يَلْمِسُ الخَشَبَ، يَتَرَاجَعُ.
يَحْمِلُهُ بِالكَلَامِ، وَيَضَعُهُ عَلَى أَكْتَافِ الآخَرِينَ،
وَيُبَارِكُ الدَّرْبَ مِنْ بَعِيدٍ… ثُمَّ يَعُودُ إِلَى فَرَاغِهِ،
حَيْثُ لَا أَلَمَ… وَلَا انْكِسَارَ.
يَا رَبّ… أَيُّهُم أَنَا؟
أَأَنَا الَّذِي يَرَى فَيَدِينُ؟
أَمِ الَّذِي يَشْعُرُ فَيَتَرَاجَعُ؟
أَمِ الَّذِي يَمُرُّ دُونَ أَنْ يُمَسَّ؟
أَمِ الَّذِي يَعْرِفُ… وَيَهْرُبُ حِينَ يُدْعَى؟
أَمْ أَنِّي… كُلُّهُمْ مَعًا؟
رَأيْتُ، أَنَّ الصَّلِيبَ لَيْسَ حَدَثًا… بَلْ مِرْآةً.
وَأَنَّ المَصْلُوبَ لَا يُصْلَبُ خَارِجَ الإِنْسَانِ فَقَطْ،
بَلْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَهْرُبُ فِيهَا مِنَ النُّورِ، أَوْ أُؤَجِّلُ الحَقِيقَةَ، أَوْ أَكْتَفِي بِالشُّعُورِ دُونَ أَنْ أَتَبَدَّلَ.
فَلَا تَسْأَلْنِي يَا رَبّ: مَاذَا رَأَيْتُ؟
بَلِ اسْأَلْنِي: مَاذَا فَعَلْتُ حِينَ رَأَيْتُ؟
هَبْنِي عَيْنًا تَرَى…
وَقَلْبًا يَشْعُرُ…
وَكِيَانًا يَنْهَارُ أَمَامَكَ… لِيُعَادَ خَلْقُهُ فِيكَ.
الآنَ أُدْرِكُ:
أَخْطَرُ مَا فِي مَشْهَدِ الصَّلِيبِ لَيْسَ الَّذِينَ صَلَبُوك،
وَلَا الَّذِينَ بَكُوا، وَلَا حَتَّى الَّذِينَ تَكَلَّمُوا عَنْه…
بَلِ الَّذِينَ رَأَوْا… وَلَمْ يَتَبَدَّلُوا. صَارُوا شُهُودًا عَلَى النُّورِ… بِلَا نُورٍ
وَمَا زِلْتُ أَقِفُ… أَنْتَظِرُ أَنْ أَتَبَدَّل، لِيَصِلَ النُّورُ إِلَى أَعْمَاقِي، وَتُحَلَّقَ الرُّوحُ حُرَّةً فِي حَضْرَتِكَ وَيَتَدَحْرَجَ الحَجَرُ.
المشكلة ليسَتْ أنْ أرَى الصَّليبَ… بَلْ أنْ أعْتَادَ رُؤيَتَهُ دونَ أنْ أُصلَبَ مَعَهُ.
خَرْبَشَاتُ طِفْلٍ
بِقَلَمِ الإِبْنِ الضَّالِّ… إِذَا تَابَ.













04/09/2026 - 10:41 AM





Comments