بيروت - تحقيق من اعداد الخوري الدكتور نبيل مونس
سُلّم صباح اليوم الأربعاء 8 نيسان 2026 ملف الأعجوبة المنسوبة بشفاعة الطوباوي البطريرك إسطفان بطرس الدويهي إلى مجمع دعاوى القديسين في الفاتيكان، في خطوة رسمية جديدة على طريق إعلان قداسته. حضر التسليم وفد رسمي من نيابة إهدن–زغرتا المارونية برئاسة المطران جوزيف نفّاع النائب البطريركي العام ورئيس مؤسسة الطوباوي الدويهي، يرافقه الاي ملجد مارون طالب دعوى التقديس والوفد المرافق، والتقى الوفد الكاردينال مارتشيلو سيميرارو رئيس دائرة دعاوى القديسين، في لقاء حمل طابع الرجاء والانتظار.

ما الذي سُلّم فعلاً وما دلالته القانونية
الملف الذي سُلّم إلى الدوائر المختصة في روما يتضمن مجمل الوثائق التي جُمعت خلال التحقيق الأبرشي: محاضر الشهادات، السجلات الطبية، إفادات الشهود، تقارير الخبراء، ووثائق توثيقية عن طلب الشفاعة والظروف المحيطة بالشفاء المبلّغ عنه. وفق ما أعلن ممثلو النيابة، فإن هذه الخطوة تُنهي المرحلة الأبرشية من الدعوى وتفتح الباب أمام المرحلة الرومانية التي تتضمن فحصًا طبياً ولاهوتياً دقيقًا داخل دوائر مجمع دعاوى القديسين.
هذه المرحلة الرومانية لا تعني إعلان القداسة فورًا، بل تعني أن الملف أصبح الآن في عهدة لجان متخصصة في الفاتيكان تقوم بفحص الأدلة، وتقييم ما إذا كان الشفاء غير قابل للتفسير الطبي وما إذا كانت هناك صلة سببية واضحة بين الشفاعة والنتيجة.
قدّم الأب ماجد مارون الأنطوني ملف الأعجوبة إلى الدوائر المختصة، بحضور المونسنيور إسطفان فرنجية خادم رعية إهدن–زغرتا ووكيل المؤسسة، والخوري أنطونيو الدويهي، في لقاء سادته أجواء من الرجاء والتضرع. وعبّر المطران جوزيف نفّاع عن شكره لحفاوة الاستقبال وسرعة التجاوب، داعيًا المؤمنين إلى مواصلة الصلاة من أجل قبول ملف الشفاء وإعلان الطوباوي إسطفان الدويهي قديسًا. من جهته، أوضح الأب مارون أن هذه الخطوة تُنهي التحقيق الأبرشي وتبدأ مرحلة جديدة على المستوى الروماني ضمن مسار الدعوى.
تكرار هذه الزيارات والتسليمات الرسمية إلى روما يعكس جدية النيابة المحلية في توثيق الملف واحترام الإجراءات الكنسية، كما يعكس رغبة المجتمع الماروني في أن تُعطى هذه القضية عناية رسمية على مستوى الكنيسة الجامعة.
خلفية تاريخية عن مسار الدعوى حتى اليوم
مسار دعوى تطويب البطريرك إسطفان الدويهي شهد خطوات متتابعة خلال السنوات الأخيرة: قبول ملف الشفاعة على المستوى الأبرشي، ثم إحالة الوثائق إلى روما، ومن ثمّ موافقات أولية من لجان لاهوتية وطبية في مراحل سابقة. في مراحل سابقة أُعلن عن قبول عناصر أساسية من الملف، وصدرت بيانات محلية ورسمية احتفلت بتقدّم الدعوى، بما في ذلك أخبار عن توقيع مراسيم وإجراءات متقدمة داخل مجمع القديسين.
طبيعة الأدلة المقدمة في ملف الدويهي
الركائز الأساسية لأي ملف معجزة هي: سجلات طبية مفصّلة قبل الشفاء وبعده، تقارير أطباء مستقلين تؤكد استحالة تفسير الشفاء طبياً، شهادات شهود توضح طلب الشفاعة والظروف، وتوثيق استمرارية الشفاء وعدم عودته. في ملف الدويهي، بحسب ما أُعلن، تركزت الأدلة على حالة شفاء اعتُبرت استثنائية من مرض عصبي لدى طفل، حيث أشار مقدمو الملف إلى أن الشفاء حصل بعد نذر وصلوات ووساطة مرتبطة بالطوباوي، وأن الحالة كانت موثقة طبياً قبل الشفاء.
الملف تضمن أيضًا شهادات شهود محليين، إفادات كهنة وأفراد العائلة، وتقارير طبية أولية أُرفقت بمحاضر التحقيق الأبرشي. هذه الوثائق هي التي ستخضع الآن لفحص مستقل من قبل اللجنة الطبية في الفاتيكان، التي تقرر ما إذا كان الشفاء يخرج عن نطاق التفسير الطبي.
ماذا تفعل اللجان في روما وكيف تقرر
الآلية المتبعة في مجمع دعاوى القديسين واضحة ومحددة: أولًا تُراجع اللجنة الطبية الملف وتستدعي خبراء مستقلين إن لزم، وتقيّم ما إذا كان الشفاء مفاجئًا وكاملاً ودائمًا وغير قابل للتفسير الطبي. إذا قررت اللجنة الطبية أن الحالة لا تُفسَّر طبياً، تنتقل القضية إلى لجنة اللاهوتيين التي تبحث الصلة بين الشفاعة والنتيجة، ثم تُعرض التوصيات على مجمع الكرادلة والأساقفة، وفي النهاية يرفع الأمر إلى البابا الذي يوقّع القرار النهائي.
هذه السلسلة من الفحوصات تشرح لماذا قد تستغرق العملية شهورًا أو سنوات، إذ إن كل مرحلة تتطلب وثائق إضافية أو استدعاء خبراء أو توضيحات من النيابة الأبرشية. كما أن السرية المهنية والصرامة العلمية في هذه اللجان تجعل من كل قرار حدثًا ذا وزن روحي وقانوني كبير.
البعد المحلي والإنساني للحدث
بالنسبة إلى أهالي إهدن وزغرتا والمجتمع الماروني الأوسع، لا يقتصر الأمر على إجراء قانوني جامد؛ بل هو حدث روحي واجتماعي يلامس ذاكرة جماعة عاشت على تراث الدويهي وكتبه وطقوسه لقرون. الطوباوي إسطفان الدويهي ليس مجرد مؤرخ أو رجل دين في الذاكرة المحلية؛ بل رمز ثقافي وروحي، ووجود ملف الشفاعة يوقظ مشاعر الامتنان والأمل لدى أجيال تربّت على سيرته.
في الأسابيع والأشهر الماضية شهدت بلدات مرتبطة بالدويهي احتفالات محلية، قداسات شكر، ودعوات للصلاة من أجل قبول الملف، كما أقيمت محاضرات وندوات لتسليط الضوء على إرثه الروحي والعلمي. هذه الديناميكية المحلية تضيف بعدًا إنسانيًا للملف: إنها دعوة جماعية للصلاة والانتظار، وليست مجرد متابعة إدارية.
مخاطر التوقعات الإعلامية وكيفية التعامل معها
مع كل خطوة رسمية تتسارع التغطية الإعلامية وتنتشر التكهنات. لكن من المهم التمييز بين الخبر الرسمي والإشاعات أو التمنيات. الإجراءات الفاتيكانية تتطلب أدلة صارمة، وأي إعلان نهائي عن قبول المعجزة أو عن موعد التطويب يجب أن يصدر عن المجمع أو عن الكرسي الرسولي. لذلك، على وسائل الإعلام المحلية والدينية أن توازن بين تغطية الحدث واحترام سرية الإجراءات وعدم خلق توقعات مبكرة قد تصيب المجتمع بخيبة أمل إذا تأخرت القرارات.
ماذا يعني القبول النهائي وما الذي سيأتي بعده
في حال أقرت اللجان والكرادلة والبابا أن الشفاء معجزة، تُصدر وثيقة رسمية تعترف بها الكنيسة، ويُعد ذلك خطوة حاسمة نحو التطويب الرسمي. بعد التطويب، يتطلب إعلان القداسة عادة معجزة إضافية تُنسب إلى شفاعة الطوباوي بعد تطويبه. لذلك، حتى بعد قبول معجزة واحدة، يبقى الطريق إلى إعلان القداسة النهائية طويلًا ويتطلب معجزات إضافية وإجراءات رسمية.
هذا المسار الطويل يفسر لماذا يصفه البعض بأنه "رحلة إيمان وصبر"؛ فالمجتمع المحلي يُدعى إلى مواصلة الصلاة والاحتفال بروحانية الحدث، بينما تواصل النيابة عملها القانوني والوثائقي مع دوائر الفاتيكان.
تسليم ملف الأعجوبة في 8 نيسان 2026 إلى مجمع دعاوى القديسين هو خطوة رسمية مهمة تُنهي المرحلة الأبرشية وتبدأ مرحلة الفحص الروماني. هذه الخطوة تحمل معها رجاءً كبيرًا لدى المؤمنين، لكنها أيضًا تضع أمام الجميع مسؤولية التحلي بالصبر واحترام الإجراءات القانونية والروحية المتبعة في الكنيسة الجامعة.













04/09/2026 - 04:47 AM





Comments