بين وهم النظام الجديد في إيران وواقع الصراع … لبنان في دائرة الخطر

04/08/2026 - 17:26 PM

Prestige Jewelry

 

 

 رشيد ج. مينا

ما صدر عن البيت الأبيض من حديث عن “الأمل بالتوصل إلى اتفاق مع النظام الجديد في إيران” لا يمكن اعتباره إلا قمة الاستخفاف والتضليل. فالنظام في إيران لم يسقط، ولم يتشكل فيه نظام جديد كما تحاول الإدارة الأمريكية، وعلى رأسها ترامب، إيهام العالم، بهدف تسجيل مكاسب وانتصارات لم يلمس أحد وجودها على أرض الواقع.

كل ما جرى حتى الآن هو تدمير للبنى التحتية والاقتصادية، ومحاولة لإظهار إيران كدولة تتحكم بمضيق هرمز، بما يعزز حاجة العالم إلى إعادة تشغيل هذا الشريان الحيوي. أما الحديث عن “نظام جديد”، فهو ليس سوى ذرّ للرماد في العيون.

الحقيقة الواضحة أن ما حصل هو تغيير في بعض الأشخاص والمواقع، وهو أمر طبيعي في ظل استهداف قيادات بارزة، لكن ذلك لا يعني تغييرًا في بنية النظام. فإيران اليوم ليست في موقع مشابه لما كانت عليه عند إسقاط نظام الشاه عام 1979 وقيام الجمهورية الإسلامية بقيادة الإمام الخميني. هذا نظام ترسّخ وتعمّق، وتغييره من الخارج — حتى باستخدام القوة — ليس بالأمر السهل، بل يبدو أنه ليس ضمن الأولويات الحقيقية للسياسة الأمريكية، وهو ما تؤكده طبيعة المواجهة وحدودها، كما تعكسه مسارات التهدئة والمفاوضات المتوقعة.

في المقابل، تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل على توزيع الأدوار بينهما بما يخدم أهدافهما الاستراتيجية: توسّع صهيوني من جهة، وسيطرة أمريكية على المنطقة من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يبقى لبنان الساحة الأكثر انكشافًا، الخاضعة لهذا التوازن القائم.

إن استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان وتصاعده ليس حدثًا منفصلًا، بل هو جزء من مسار واضح يهدف إلى فرض واقع جديد، عنوانه إخضاع لبنان وفرض شروط عليه تمهّد لتحقيق الأطماع الصهيونية، بالتوازي مع محاولة كفّ يد إيران ودفعها إلى الانكفاء داخل حدودها.

أمام هذا الواقع، يواجه لبنان خطرًا وجوديًا حقيقيًا، لا يمكن التعامل معه بمنطق الانقسام أو إدارة الأزمة. بل يتطلب الأمر وحدة وطنية شعبية حقيقية تضع مصلحة لبنان فوق كل الاعتبارات، وتحصّن الداخل في مواجهة الضغوط الخارجية.

كما أن الحاجة إلى تحرك عربي جدي وفاعل باتت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، بهدف توحيد الموقف والرؤية في ظل التحولات الدولية الجارية، ومنع أي تسويات قد تأتي على حساب العرب، كما درجت التجارب السابقة.

إن العرب، إذا ما أحسنوا توحيد موقفهم، يملكون القدرة على التأثير في مسار الأحداث، بما يخدم مصالحهم ويعيد التوازن إلى المنطقة، وهو ما ينعكس مباشرة على لبنان، سواء في وقف العدوان، أو إنهاء الاحتلال، أو دعم استعادة الدولة اللبنانية لدورها وقرارها وسيادتها على كامل أراضيها.

فالرهان اليوم ليس على تبدّل مواقف الخارج، بل على قدرة الداخل — لبنانيًا وعربيًا — على استعادة المبادرة. ومن دون ذلك، سيبقى لبنان ساحة مفتوحة، بدل أن يكون دولة مكتملة.

إن ما يجري في المنطقة ليس إعادة تشكيل لأنظمة بقدر ما هو إعادة توزيع للأدوار والنفوذ، ولبنان في قلب هذا التحول، لا على هامشه. لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يواجهه اللبنانيون اليوم هو الاستمرار في التعامل مع هذه المرحلة بعقلية الانقسام أو الانتظار.

فلبنان لا يُحمى بالتوازنات الخارجية، ولا يُنقذ بتبدّل الاصطفافات، بل بإرادة داخلية واضحة تعيد الاعتبار للدولة، وتضع حدًا لتحويله إلى ساحة مفتوحة.

إن المرحلة تفرض على اللبنانيين، كما على العرب، الانتقال من موقع التلقي إلى موقع الفعل، لأن أي تسوية تُفرض في ظل هذا الاختلال لن تكون إلا على حسابهم.

فإما أن يستعيد لبنان دولته وقراره، أو يبقى رهينة ما يُرسم له من الخارج.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment