بقلم: معتز فخرالدين
نجحت وساطة إقليمية متعددة الأطراف في فرض هدنة مؤقتة بين إيران والولايات المتحدة، يفترض أن تمتد لأسبوعين، في خطوة سارع الطرفان إلى تسويقها كإنجاز استراتيجي. غير أن القراءة المتأنية لما جرى تكشف أن ما حصل لا يتجاوز كونه مناورة تكتيكية متبادلة فرضتها تقاطعات المصلحة في لحظة ضغط عسكري واقتصادي، أكثر مما يشكّل بداية لمسار تسوية حقيقي.
الركيزة العملية للهدنة تمثلت في معادلة واضحة: وقف إطلاق النار مقابل فتح مضيق هرمز، دون التوصل إلى أي تفاهم حول القضايا الجوهرية العالقة بين الطرفين. وقد جرى تبادل “لوائح مطالب” لا أكثر: ورقة إيرانية من عشر نقاط وورقة أميركية من خمسة عشر بنداً، أُقرّ فقط بقبول التفاوض حولها لاحقاً، من دون أي اتفاق فعلي على مضمونها.
تبادل مكاسب تكتيكية
استطاعت طهران، عبر هذه الهدنة، تحقيق جملة من المكاسب الفورية. فقد نجحت في وقف الهجوم العسكري والاغتيالات مؤقتاً، وفرضت نفسها مجدداً طرفاً تفاوضياً لا يمكن تجاوزه أو فرض الاستسلام عليه. والأهم أنها نجحت في تحويل مسار المواجهة من حرب سريعة محتملة إلى مسار تفاوض طويل، وهو مكسب استراتيجي بحد ذاته لنظام يقوم على إدارة الصراع لا حسمه.
في المقابل، حققت واشنطن هدفها الأكثر إلحاحاً: إعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف الضغط على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. وبذلك نقلت الولايات المتحدة المواجهة من ميدان النار إلى ميدان الشروط، ما يسمح لها بإعادة ترتيب أدوات الضغط السياسية والاقتصادية.
تناقض بنيوي في المطالب
غير أن جوهر الأزمة ما يزال على حاله، بل ربما بات أكثر وضوحاً. فالمطالب الأميركية والإيرانية ليست خلافات تقنية قابلة للحل السريع، بل تعكس تناقضاً بنيوياً يمس ركائز الأمن القومي للطرفين.
تركّز واشنطن على وقف التخصيب المرتفع لليورانيوم، وتقليص البرنامج الصاروخي الإيراني، وفك الارتباط بين طهران وشبكة حلفائها الإقليميين، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.
في المقابل، تطالب طهران بضمانات بعدم شن حروب عليها مستقبلاً، والاعتراف بحقها في التخصيب لأغراض سلمية، والاستمرار في تطوير صناعاتها الصاروخية، ورفع العقوبات وتحرير أصولها المجمدة، وصولاً إلى التعويض عن الأضرار وإعادة الإعمار، مع تأكيد سيادتها على المضيق.
هذه ليست تفاصيل تفاوضية بل قضايا وجودية للنظامين، ما يجعل احتمال الوصول إلى اتفاق شامل خلال فترة قصيرة أمراً ضئيلاً للغاية.
وساطة إقليمية لافتة
يحمل دور الوسطاء الإقليميين دلالة سياسية مهمة. فاللجوء إلى وساطة غير خليجية وغير أوروبية يعكس رغبة الطرفين في إطار تفاوضي مقبول ومتوازن، ويشير إلى تشكّل مسار تفاوض إقليمي جديد قد يتجاوز القنوات التقليدية.
هدنة ما قبل الجولة التالية:
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن تتحول هذه الهدنة إلى مرحلة تنظيم للمواجهة المقبلة. فإما أن يتم تمديدها لإتاحة وقت أطول للتفاوض، أو أن تتجدد المواجهة بشكل محدود ومحسوب، أو أن ينفجر التصعيد مجدداً إذا تعثرت المفاوضات ووقع حدث أمني كبير يعيد إشعال الجبهة.
وتبقى النقطة الأكثر حساسية مرتبطة بمدى شمول الهدنة للجبهة اللبنانية. فإذا شملها التجميد، فهذا يعني توجهاً أميركياً نحو تهدئة شاملة. أما إذا استُثنيت، فقد تتحول إلى ساحة ضغط تفاوضي مفتوحة، بما يحمله ذلك من مخاطر توسّع الصراع.
خلاصة
ليست هذه هدنة لإنهاء الحرب، بل هدنة لتنظيم الجولة القادمة منها. إعلان الانتصارات الآن سابق لأوانه، إذ إن الحكم الحقيقي سيبقى رهناً بما ستسفر عنه مفاوضات الأسبوعين المقبلين، وبمدى قدرة الطرفين على تحويل وقف الاشتباك المؤقت إلى مسار تفاوض مستدام — وهو احتمال لا يزال، حتى الآن، غارقاً في الضباب.













04/08/2026 - 17:07 PM





Comments