الكاتب السياسي فرنسوا الجردي
منذ سنوات، بُنيت سردية متماسكة حول صعود إيران كقوة إقليمية قادرة على إعادة رسم توازنات الشرق الأوسط. هذه السردية، التي ارتبطت بمشروع يقوده علي خامنئي، استندت إلى مفهوم “العمق الاستراتيجي” عبر شبكة من الحلفاء والأذرع الممتدة من طهران إلى شرق المتوسط. إلا أن التحولات الأخيرة في المنطقة تفرض إعادة قراءة جدية لهذا المشروع، في ضوء ما يبدو أنه مرحلة انكشاف واختبار قاسٍ لفعاليته وحدوده.
لم يعد النقاش اليوم يدور حول مدى اتساع النفوذ الإيراني، بل حول قدرته على الاستمرار. فالتحديات الداخلية في إيران، من أزمات اقتصادية خانقة إلى توترات اجتماعية متصاعدة، تضع النظام أمام أولويات مختلفة عمّا روّج له سابقًا. الدولة التي سعت إلى تثبيت حضورها الخارجي، تجد نفسها اليوم أمام استحقاق إعادة التوازن الداخلي، ما يطرح تساؤلات حول كلفة هذا التمدد الإقليمي وجدواه.
في هذا السياق، يظهر مفهوم “العمق الاستراتيجي” كأحد أكثر المفاهيم تعرضًا للاهتزاز. إذ إن الاعتماد على قوى حليفة في دول تعاني أصلًا من هشاشة بنيوية، يجعل هذا العمق عرضة للتآكل عند أول اختبار جدي. ومع تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية، تتبيّن محدودية قدرة هذه الأذرع على تأمين استقرار مستدام أو تحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد.
لبنان، في هذا الإطار، يشكّل نموذجًا دالًا على هذه التحولات. فقد لعب حزب الله دورًا محوريًا في ترسيخ النفوذ الإيراني داخل الساحة اللبنانية، مستندًا إلى خطاب “المقاومة” وإلى قوة عسكرية تفوق قدرات الدولة. غير أن هذا الدور بات اليوم موضع نقاش داخلي متزايد، في ظل الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي يعيشها لبنان، وتراجع قدرات الدولة ومؤسساتها.
التحدي الأساسي الذي يواجه الحزب لا يقتصر على الضغوط الخارجية، بل يمتد إلى بيئته الحاضنة. فمع ارتفاع كلفة الصراعات الإقليمية، وتزايد الأعباء المعيشية، بدأت تظهر تساؤلات حول جدوى الاستمرار في هذا النهج، وحول الأولويات الفعلية للمجتمع الذي يفترض أن يكون المستفيد الأول من هذا الدور. هذا التحول، وإن كان لا يزال في بداياته، يحمل دلالات عميقة على إمكانية إعادة تشكيل المشهد الداخلي اللبناني.
في المقابل، تبدو دول الخليج العربي أكثر حذرًا في مقاربتها للملف اللبناني. فبعد سنوات من التوتر السياسي والأمني، تراجعت مستويات الانخراط والدعم، في ظل غياب الثقة بقدرة الدولة اللبنانية على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة. هذا التحول يعكس قناعة متزايدة بأن أي دعم اقتصادي أو سياسي لا يمكن أن يكون فعّالًا في ظل اختلال التوازن الداخلي وهيمنة قوى غير دولتيّة على القرار الوطني.
أمام هذا الواقع، يجد لبنان نفسه في موقع بالغ الحساسية. فربط مصيره بمحاور إقليمية متصارعة أدّى إلى عزله عن محيطه الطبيعي، وأفقده جزءًا كبيرًا من هامش المناورة الذي كان يتمتع به تاريخيًا. والنتيجة كانت مزيجًا من الانهيار الاقتصادي، والتراجع السياسي، وفقدان الثقة الدولية.
مع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في صورة قاتمة بالكامل. فالتاريخ السياسي للبنان يُظهر قدرة هذا البلد على إعادة إنتاج توازناته في لحظات مفصلية. التحولات الجارية، سواء داخل البيئة المؤيدة لحزب الله أو على مستوى الإقليم، قد تفتح نافذة لإعادة تعريف دور الدولة اللبنانية، واستعادة جزء من سيادتها وقرارها المستقل.
في الخلاصة، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة، تتراجع فيها منطق “فائض القوة” لصالح حسابات أكثر واقعية ترتبط بالكلفة والجدوى. المشروع الإيراني، كما تجلّى خلال العقود الماضية، يواجه اليوم اختبارًا حقيقيًا، فيما يقف لبنان عند مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في مسار الارتهان، أو الشروع في إعادة بناء دولة قادرة على التوازن بين مصالحها الداخلية وعلاقاتها الخارجية.
إنها لحظة تتطلب قراءة هادئة وعميقة، لأن من لا يواكب هذه التحولات، قد يجد نفسه خارج معادلات المستقبل.













04/08/2026 - 09:27 AM





Comments