اتصالات رئاسية لبنانية – أميركية تعيد الملف اللبناني إلى واجهة الاهتمام في واشنطن

04/07/2026 - 19:49 PM

https://metrolinktrains.com

 

 

 

 

تحقيق من اعداد جورج ديب

 

عاد الملف اللبناني بقوة إلى طاولة الاهتمام الأميركي بعد سلسلة اتصالات مكثّفة أجراها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع مسؤولين في واشنطن، تزامناً مع زيارة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى إلى العاصمة الأميركية، في خطوة وصفتها مصادر سياسية بأنها أعادت تحريك ملف كان قد وُضع في الأدراج البعيدة.

هذا التحرك جاء على وقع مشهد جنوبي يزداد قسوة يوماً بعد يوم، حيث يعيش السكان بين الخوف والنزوح، فيما تتعرض القرى لدمار متواصل يهدد ما تبقى من حياة طبيعية، في وقت يبذل فيه الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل جهوداً يومية لمنع توسّع المواجهة وحماية ما يمكن حمايته من المدنيين.

وبحسب مصادر مطلعة، حملت الاتصالات الرئاسية رسالة واضحة إلى واشنطن مفادها أن لبنان لم يعد يحتمل استمرار المواجهة، وأن وقف إطلاق النار لم يعد مطلباً سياسياً بل ضرورة إنسانية عاجلة. وتشير المصادر إلى أن رئيس الجمهورية شدد في اتصالاته على أن استمرار التصعيد يضع الدولة أمام انهيار إضافي، ويهدد بتوسيع رقعة النزوح الداخلي، في وقت لم تعد فيه المؤسسات قادرة على الاستجابة لأبسط الاحتياجات. وتضيف أن الرئاسة طلبت من الجانب الأميركي ممارسة ضغط فعلي لإعادة تثبيت التهدئة، وفتح الباب أمام ترتيبات أمنية تمنع تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة، مع التأكيد على الدور المحوري للجيش اللبناني في ضبط الحدود، ولليونيفيل في مراقبة الخط الأزرق ومنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع.

زيارة السفير الاميركي ميشال عيسى إلى واشنطن شكّلت نقطة تحول لافتة، إذ حمل معه تقارير ميدانية دقيقة عن الوضع الإنساني في الجنوب، وعن حجم الدمار الذي لحق بالبنى التحتية، وعن القرى التي باتت شبه خالية من سكانها. وبحسب المعلومات، عرض السفير أمام المسؤولين الأميركيين صوراً وشهادات من الميدان، بينها روايات لعائلات اضطرت إلى مغادرة منازلها تحت القصف، وأخرى فقدت مصادر رزقها بعدما تحولت الأراضي الزراعية إلى مناطق عسكرية. كما نقل تفاصيل عن انتشار الجيش اللبناني في المناطق الخلفية، ومحاولاته المستمرة لفتح الطرقات وتأمين ممرات آمنة للمدنيين، إلى جانب التنسيق اليومي مع قوات اليونيفيل التي تعمل على منع أي خرق قد يؤدي إلى انفجار الوضع.

هذه التقارير دفعت وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى إصدار توجيهات عاجلة بإعادة إدراج لبنان ضمن الملفات التي تستدعي متابعة يومية، بعدما كان قد تراجع إلى مرتبة ثانوية في الأشهر الماضية. وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن الإدارة الأميركية تنظر بقلق إلى احتمال توسّع المواجهة، وتعتبر أن أي تصعيد إضافي قد يجرّ المنطقة إلى مرحلة يصعب احتواؤها، خصوصاً في ظل الضغط المتزايد على الجيش اللبناني الذي يعمل بإمكانات محدودة، وعلى قوات اليونيفيل التي تواجه تحديات ميدانية متزايدة.

وفي الجنوب، تبدو الصورة أكثر قسوة مما تنقله البيانات الرسمية. في بلدة بنت جبيل، تقول سيدة نازحة إنها خرجت من منزلها ليلاً مع أطفالها الثلاثة بعدما سقطت قذيفة قرب الحي، مضيفة: “لم نأخذ شيئاً. تركنا البيت مفتوحاً. لم نعرف إن كنا سنعود.” وفي عيترون، يقف مزارع على تلة قريبة يراقب أرضه من بعيد بعدما أصبحت منطقة محظورة، ويقول: “هذه الأرض كانت مصدر رزقي. اليوم لا أستطيع الاقتراب منها. كل شيء أصبح خطراً.” وفي احد البلدات الحدودية، يختصر النازحين المشهد بجملة واحدة: “نريد فقط أن نعيش. لا نريد حرباً ولا شعارات”.

هذه الأصوات، التي نقل جزء منها إلى واشنطن، لعبت دوراً أساسياً في إعادة تحريك الملف اللبناني، إذ حذّرت التقارير الأميركية من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى موجة نزوح أكبر، وإلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية، وإلى فقدان السيطرة على الوضع الميداني. وتؤكد مصادر متابعة أن الجيش اللبناني يواجه ضغطاً متزايداً في الجنوب، حيث يعمل على إجلاء المدنيين من المناطق الخطرة، وعلى تأمين الطرقات، وعلى منع أي احتكاك قد يؤدي إلى توسّع المواجهة، فيما تواصل قوات اليونيفيل دورياتها المشتركة وتكثّف اتصالاتها مع الجانبين لاحتواء التوتر.

ورغم الزخم الدبلوماسي، تواجه الجهود اللبنانية تحديات إقليمية معقدة، أبرزها الموقف الإيراني الذي ينعكس مباشرة على مسار التهدئة. وتشير مصادر سياسية إلى أن طهران تواصل ربط الوضع في الجنوب بمسارات إقليمية أوسع، ما يحدّ من قدرة الأطراف اللبنانية على التقدم في أي مسار تفاوضي مستقل. وتضيف أن “حزب الله” ينسّق بشكل كامل مع الجانب الإيراني في ما يتعلق بمسار المواجهة، الأمر الذي يجعل أي تفاهم مرتبطاً بتطورات خارج الحدود اللبنانية، فيما يجد الجيش اللبناني نفسه أمام مهمة صعبة تتمثل في حماية المدنيين ضمن حدود إمكاناته، وفي ظل غياب قرار سياسي موحد.

ومع ذلك، ترى الأوساط السياسية أن الاتصالات بين بيروت وواشنطن تشكل فرصة نادرة لإعادة تثبيت دور الدولة اللبنانية في إدارة الملف الحدودي، ولإطلاق نقاش جدي حول ترتيبات أمنية جديدة تضمن حماية المدنيين وتخفيف التوتر على طول الخط الأزرق. وتشير هذه الأوساط إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من المشاورات بين الجانبين، في ظل سعي الرئاسة اللبنانية إلى الاستفادة من الاهتمام الأميركي المتجدد لإعادة وضع لبنان على خريطة الأولويات الدولية، مع التأكيد على ضرورة دعم الجيش اللبناني وتعزيز دور اليونيفيل لضمان استقرار فعلي على الأرض.

لكن في مقابل هذه التحركات، يبقى الواقع الإنساني هو الأكثر إلحاحاً. ففي يلدة الخيام، تقول معلمة إن مدرستها مغلقة منذ أسابيع، وإن الأطفال مشتتون بين القرى والملاجئ، مضيفة: “لا نعرف متى سنعود إلى الصفوف. كل شيء معلّق على الهدوء.” وفي مارون الراس، يروي مسنّ أنه عاش حروباً كثيرة، لكنه يشعر اليوم بأن الدولة غائبة أكثر من أي وقت مضى، قائلاً: “نريد فقط أن نعيش بسلام. هذا كل ما نطلبه”. وبينما تتنقل الوفود الدبلوماسية بين العواصم، يبقى الجنوب معلّقاً بين هدير الحرب ونداءات التهدئة، فيما ينتظر السكان خطوة واحدة فقط: وقف إطلاق نار ثابت يسمح لهم بالعودة إلى بيوتهم، واستعادة ما تبقى من حياتهم، بدعم الجيش اللبناني واليونيفيل اللذين يشكلان خط الدفاع الأخير عن الاستقرار.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment