..... رَايَةُ الإِسْتِسْلَام

04/07/2026 - 04:18 AM

A

 

 

لَيْسَ الإِسْتِسْلَامُ هَزِيمَةً، كَمَا نَظُنُّ،
بَلْ هُوَ اللَّحْظَةُ الَّتِي يَكْتَشِفُ فِيهَا الإِنْسَانُ
أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُحَارِبُ سِوَى نَفْسِهِ،
وَأَنَّ مَنْ كَانَ يَخْشَاهُ…
هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ بِمَحَبَّةٍ.
 
                       رَايَةُ الإِسْتِسْلَام
 
صَاحِبُ الكَلِمَةِ الأَجْمَلِ، أَنْتَ شِرَاعٌ لِسَفِينَةٍ
 تَائِهَةٍ، تَدْفَعُهَا الرِّيحُ… إِلَى مَوَانِئِ الرَّاحَةِ.
أَنْتَ كَرَمٌ مُبَارَكٌ، سَالَ نَبِيذُهُ عَلَى شِفَاهِ العَطْشِ القَدِيمَةِ، فَاسْتَفَاقَ فِيهَا الفَرَحُ، كَأَنَّهُ لَمْ يَفْرَحْ يَوْمًا.
أَنْتَ "نَعَمْ"… لَا تُقَالُ، بَلْ تُعَاشُ، مَوْعِدٌ… فَلِقَاءٌ،
وَتَدْبِيرٌ لَا يَسْتَأْذِنُ.
اِجْتَاحَنِي جَمَالُكَ، سَيِّدِي، لَا كَعَابِرٍ… بَلْ كَغَزْوٍ
يَعْرِفُ طَرِيقَهُ إِلَى القَلْبِ.
فَرَفَعْتُ الرَّايَةَ البَيْضَاءَ، لَا خَوْفًا… بَلِ اعْتِرَافًا.
أَسَرْتَنِي، لَا بِسَلَاسِلَ، بَلْ بِنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَسَقَطَتْ قِلَاعِي، وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى، حَتَّى آخِرِ حِصْنٍ
كُنْتُ أُخْفِي اسْمِي فِيهِ.
فَأَنَا لَمْ أَعُدْ أَسِيرًا فِي يَدَيْكَ، بَلْ وَطَنًا اسْتَسْلَمَ أَخِيرًا لِمَنْ تَعَلَّمَ مِنْهُ مَعْنَى الأَمَانِ.
أَتَخَيَّلُ نَفْسِي فِي بَحْرِ صَيْدَا،
عَلَى مَرْكَبِ صَيَّادٍ، دَفَعَتِ الرِّيحُ شِرَاعَهُ نَحْوَ العُمْقِ.
أَمُدُّ يَدِي، أَضَعُهَا فِي المَاءِ، أَغْرِفُ قَبْضَةً… وَأَرْفَعُهَا نَحْوِي، فَيَتَسَرَّبُ المَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِي، حَتَّى تَفْرُغَ يَدِي مِنْهُ.
ذَلِكَ المَاءُ… هُوَ حَيَاتِي.
مِنَ الوِلَادَةِ حَتَّى المَوْتِ، تَفْلِتُ مِنِّي، لَا لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ، بَلْ لِأَنَّهَا لَمْ تُخْلَقْ لِتُحْتَجَزَ.
هِيَ نِعْمَةٌ إِلَهِيَّةٌ عَابِرَةٌ، تُعْطَى… لِكَيْ تَقُودَ، لَا لِكَيْ تُمْتَلَكَ.
أَمَّا مَلَكُوتُ اللَّهِ، الَّذِي أَتَوَقُّ إِلَيْهِ، فَلَيْسَ قَبْضَةَ مَاءٍ… بَلْ هُوَ بَاقِي البَحْرِ.
وَاسِعٌ… غَامِرٌ… لَا يُمْسَكُ، وَلَا يَنْفَدُ.
وَهُنَاكَ… فِي ذَلِكَ العُمْقِ الَّذِي لَا يُمْسَكُ، فَهِمْتُ أَنَّ مَا جَرَى لِي لَمْ يَكُنْ خَسَارَةً… بَلْ زَرْعًا.
كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَفْقِدُ نَفْسِي، وَإِذَا بِي كَمِثْلِ حَبَّةِ قَمْحٍ سَقَطَتْ فِي تُرَابِ قَلْبِي.
مَاتَتْ…
فَسَقَطَتْ قِلَاعِي، وَصَمَتَتْ أَسْئِلَتِي، وَتَفَكَّكَ كُلُّ مَا كُنْتُ أَتَمَسَّكُ بِهِ.
لَكِنَّهَا لَمْ تَمُتْ لِتَنْتَهِي… بَلْ لِتَبْدَأَ.
فَنَبَتَ فِيَّ مَا لَمْ أَزْرَعْهُ بِيَدَيَّ، وَارْتَفَعَ فَوْقَ خَوْفِي
سُنْبُلُ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ.
وَصِرْتُ أَفْهَمُ… أَنَّ مَا يُدْفَنُ فِي اللَّهِ
لَا يُفْقَدُ، بَلْ يَقُومُ.
يَعِيشُ الإِنْسَانُ لِأَجْلِ قَلِيلٍ يَتَسَرَّبُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، أَمَّا مَنْ يَتْبَعُ القَائِمَ، فَيَعِيشُ لِأَجْلِ مَا يَحْتَوِيهِ، لَا لِأَجْلِ مَا يَفْقِدُهُ.
الحَيَاةُ لَحْظَةٌ… وَفِي لَحْظَةٍ، يَنْظُرُ إِلَيْكَ، فَيَكْسِرُ فِيكَ كُلَّ حَاجِزٍ، وَيَكْشِفُكَ أَمَامَ نَفْسِكَ…
فَتَفْهَمُ، لَا بِفِكْرِكَ… بَلْ بِقَلْبِكَ، أَنَّ اللَّهَ يَعْرِفُكَ جَيِّدًا،
وَأَنَّهُ يُحِبُّكَ حَقًّا.
سَأَنْتَظِرُ تِلْكَ اللَّحْظَةَ… لِأَنَّ الحَيَاةَ لَيْسَتْ مَا أُمْسِكُهُ، بَلْ مَنْ أَلْتَقِيهِ.
الحَيَاةُ هِيَ المَسِيحُ، وَالمَوْتُ فِيهِ… رِبْحٌ لِلْمُؤْمِنِ.
خَرَجْتُ فَارِغًا… وَعُدْتُ بِصَيْدٍ وَفِيرٍ.
لَقَدْ قَامَ… حَقًّا قَام.
 
خُرْبُشَاتُ طِفْلٍ
بِقَلَمِ: الإِبْنِ الضَّالِّ إِذَا تَابَ
 
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment