
بيروت - تحقيق من اعداد الاعلامي جورج ديب
في صباحٍ غائمٍ ينوء بثقل الفاجعة، شقّ موكب جثمانَي بيار جبرائيل معوّض وزوجته فلافيا جوزف مراد طريقه من مستشفى ضهر الباشق نحو منزلهما في بلدة عين سعادة. كان الصباح يشبه حداداً مفتوحاً على السماء، فيما اصطفّ الأهالي على جانبي الطريق يودّعون زوجين خُطفت حياتهما فجأة في غارةٍ أنهت فصلاً من المحبة والطمأنينة.
المشهد كان مزيجاً من الصمت والصرخة: المفرقعات التي دوّت كأنها محاولة يائسة لردّ الحزن، والورود والأرز التي انهمرت فوق النعشين كأنها صلاةٌ تُلقى على عجل، ووجوه المارة التي لم تستطع إخفاء دموعها. كان الوداع مؤثراً إلى حدّ بدا معه الهواء نفسه مثقلاً بالأسى، وكأن البلدة كلّها توقفت لتستوعب غياب اثنين من أبنائها.
وفي السياق نفسه، ارتقت رولا جورج مطر ضحيةً للاستهداف الذي أصاب عين سعادة في اليوم ذاته. واقيمت الصلاة لراحة نفسها يوم الأحد في كنيسة السيدة – سن الفيل، قبل أن يُنقل جثمانها إلى مسقط رأسها في زحلتي – قضاء جزين، حيث ستُوارى الثرى وسط حضور من الأقارب والجيران الذين سيجتمعون لوداعها في يومٍ أثقل الحزن فيه القلوب، وازدادت فيه الفجائع التي لا تُحتمل.
من المستشفى إلى البيت محطة وداعٍ أولى
انطلق الموكب عند الثامنة صباحاً، حاملاً نعشَي الزوجين إلى منزليهما في عين سعادة، حيث تجمع الأقارب والجيران والأصدقاء في وداعٍ حميمي. البيوت المجاورة فتحت أبوابها، والنوافذ امتلأت بوجوهٍ لا تعرف الراحة. في ساحة المنزل، وقف الناس في صمتٍ طويل، بعضهم يهمس بصلاة، وآخرون يضعون أيديهم على النعوش كأنهم يحاولون نقل دفء الحياة إليها. نثر الورود والأرز لم يكن مجرد طقسٍ تقليدي، بل كان محاولة جماعية لقول: «لم ننسَكم، ولن نترك أثرَكم يختفي».
من هناك شقّ الموكب طريقه إلى مركز حزب "القوّات اللبنانية" في برج حمود، حيث أقيمت محطة وداعية ثانية. المكان امتلأ بمزيجٍ من الحزن والوقار، ووقف الحاضرون دقيقة صمتٍ قبل أن تتواصل المسيرة نحو غزير، حيث سيُقام احتفال خاص يليق بذكرى الزوجين. الرحلة لم تكن مجرد تنقّل بين محطات جغرافية، بل كانت رحلة عبر ذاكرة مجتمعية كاملة، تحمل معها أسئلة عن الأمان والوجود والقدرة على الاستمرار في أرضٍ تتقلب فيها الحياة والموت بسرعةٍ مرعبة.
مشاهد على الطريق نثر الأرز والورود
عند مرور الموكب في جديدة غزير، اصطفّ المواطنون على جانبي الطريق، ونثروا الأرز والورود على نعشي بيار وفلافيا. المشهد كان مؤثراً إلى حدّ الألم: أيدي صغيرة رمت حبات الأرز، ووجوه شاحبة رفعت أكفّها بالدعاء. لم تكن هذه لفتة احتفالية فحسب، بل كانت رسالة تضامنٍ صامتة تقول إن المجتمع يقف مع عائلتي الضحيتين في لحظة فقدٍ لا يُحتمل.
في كل محطة توقف، كانت هناك قصصٌ صغيرة تُروى: جارٌ فقد جزءاً من منزله، أمّ تبحث عن ابنها المفقود، طفلٌ لم يفهم بعد لماذا لم يعد والده إلى البيت. هذه القصص، المتناثرة على طول الطريق، تشكّل فسيفساءً من الألم والحنين، وتؤكد أن الخسارة هنا ليست فردية فحسب، بل جماعية.
محطة غزير والاحتفال الخاص
في غزير، أقيم احتفال خاص لتكريم ذكرى بيار وفلافيا. الحضور كان متنوّعاً: أقارب، أصدقاء، ناشطون مدنيون، وشخصيات محلية جاءت لتقديم التعازي. الكلمات التي قيلت هناك لم تكن مجرد عبارات تعزية، بل كانت شهادات على حياةٍ عاشها الزوجان: جيران تحدثوا عن كرم بيار، وأصدقاء تذكّروا ضحكات فلافيا، وكل كلمة كانت تضيف طبقة إنسانية إلى صورةٍ قد تختزلها الأخبار في لحظةٍ عابرة.
الاحتفال حمل طابعاً دينياً وإنسانياً معاً؛ صلواتٌ تلاها تراتيل، ودعواتٌ بالرحمة والسكينة. لكن تحت كل هذه الطقوس، كان السؤال الأكبر يلوح: كيف تستمر الحياة في أماكنٍ باتت فيها المخاطر جزءاً من الروتين اليومي؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يعيد بناء نفسه بعد كل خسارةٍ جديدة؟
من غزير إلى العذرا ومحطة يحشوش
بعد غزير، واصل الموكب طريقه إلى بلدة العذرا في فتوح كسروان، حيث تجمع الناس أمام مركز "القوّات" في نقطةٍ رمزية للتضامن. وفي حوالى الثانية عشرة والنصف، وصل الموكب إلى يحشوش، حيث ستقام الصلاة لراحة نفسيهما في كنيسة مار سمعان العمودي عند الرابعة عصراً. هذه المحطات المتعددة لم تكن مجرد ترتيبات لوجستية، بل كانت تعبيراً عن امتداد شبكة العلاقات التي ربطت بيار وفلافيا بالمجتمع: من الجوار إلى العمل، ومن الصداقة إلى الانتماء السياسي والديني.
الكنيسة، في نهاية اليوم، ستستقبل جموعاً من الناس الذين سيجلسون معاً في صمتٍ طويل، يقرأون الصلوات، ويستذكرون تفاصيل صغيرة عن حياة الزوجين: طقوسهما اليومية، أحلامهما، وربما خططهما لمستقبلٍ لم يُكتب له أن يتحقق. الصلاة هناك ليست مجرد طقسٍ ديني، بل هي محاولة جماعية لإيجاد معنى وسط فوضى لا معنى لها.
أثر الحادث على العائلة والمجتمع
خسارة بيار وفلافيا تركت فراغاً كبيراً في عائلتهما ومحيطهما. الأقارب يتحدثون عن صدمةٍ عميقة، وعن حاجتهم إلى دعمٍ نفسي ومادي في وقتٍ تبدو فيه الموارد محدودة. الأطفال الذين فقدوا والديهم أو الذين شهدوا المشهد سيحملون آثاراً نفسية طويلة الأمد، ما يستدعي تدخلات متخصصة لدعمهم ومساعدتهم على تجاوز الصدمة.
المجتمع المحلي أيضاً يواجه اختباراً: كيف يحافظ على تماسكه في وجه تكرار الخسائر؟ كيف يوازن بين الحزن والضرورة العملية لإعادة ترتيب الحياة اليومية؟ الإجابات ليست سهلة، لكنها تبدأ من لحظات مثل تلك التي شهدتها شوارع جديدة غزير وعين سعادة: تلاحمٌ شعبي، دعمٌ متبادل، ورفضٌ جماعي لأن تتحول الخسائر إلى أرقامٍ تُنسى.
وداعٌ يحمل رسائل متعددة
موكب وداع بيار وفلافيا لم يكن مجرد مراسم دفن؛ كان رسالةً إنسانية قوية. رسالة تقول إن الناس هنا ما زالوا يقدّرون الحياة، وأنهم يرفضون أن تُمحى ذاكرة من رحلوا. كما حمل الوداع رسائل إلى الجهات المسؤولة عن الأمن والحماية: أن هناك حياة بشرية تُزهق، وأن المجتمع يطالب بحمايةٍ فعلية لا شعاراتٍ فقط.
في الوقت نفسه، كان الوداع مناسبة لتذكير المجتمع الدولي والمحلي بأن ثمن الصراعات لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بالوجوه والقصص التي تختفي. كل نعشٍ يمرّ على الطرقات يحمل وراءه عائلةً، بيتاً، وأحلاماً لم تُكتمل.
حين غابت الشمس عن يوم الوداع، بقيت صور بيار وفلافيا في ذاكرة من حضروا، وفي قلوب من عرفوهما. نثر الورود والأرز لم يبدد الحزن، لكنه ترك أثراً من التضامن والكرامة. في زمنٍ تتقاطع فيه السياسة مع الألم، تظل لحظات الوداع هذه تذكيراً قاسياً بأن وراء كل خبرٍ إنساني وجهاً، ووراء كل رقمٍ قصةً تستحق أن تُروى وتُحفظ.
وداع بيار وفلافيا ورولا مطر لم يكن نهايةً فقط، بل بداية لأسئلةٍ ملحّة عن الحماية، والعدالة، وضرورة أن تُبنى حياةٌ لا تُقهرها الخسائر المتكررة. في هذه اللحظات، يظل الأمل بسيطاً: أن تُترجم مشاعر الحزن والتضامن إلى خطواتٍ عملية تحمي الآخرين، وتمنع وداعاتٍ مماثلة في المستقبل.













04/07/2026 - 04:13 AM





Comments