الفاتيكان يرفع مستوى اهتمامه بـ لبنان والسفير البابوي باولو بورجيا والمطران إلياس نصار الى الجنوب

04/06/2026 - 19:55 PM

https://metrolinktrains.com

 

 

تحقيق اخباري موسع من إعداد الخوري الدكتور نبيل مونس

الجنوب اللبناني يعيش منذ أسابيع موجة عنف وتصعيد عسكري أثّرت بشكل مباشر على حياة القرى الحدودية، حيث باتت الأسر تعيش تحت ضغط القصف المتكرر وانقطاع الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه ورعاية صحية. في هذا المناخ الإنساني الحاد، برزت الحاضرة الرسولية في الفاتيكان كلاعب دبلوماسي وإنساني فاعل، عبر تحرّكات السفير البابوي في لبنان المطران باولو بورجيا الذي كثّف زياراته الميدانية لتقديم المساعدة والاطمئنان إلى الأهالي، قبل أن تتوقّف هذه الزيارات مؤقتاً بعد تحذيرات أمنية من قوات الأمم المتحدة العاملة في الجنوب (اليونيفيل).

الزيارة الميدانية واستئناف الجولة

بعد تأجيلات متكررة بسبب المخاطر الأمنية، استؤنفت اليوم جولة كنسية إلى بلدات دبل وعين إبل ورميش، بمشاركة السفير البابوي المونسنيور باولو بورجيا، والمطران إلياس نصار ممثلاً للبطريرك مار بشارة الراعي، وراعي أبرشية صور المطران شربل عبدالله. رافقت هذه الجولة قافلة مساعدات إنسانية كبيرة نظمتها مؤسسات كنسية وجمعيات مانحة من بينها كاريتاس وسوليداريتي والبعثة البابوية ومطبخ مريم والمؤسسة البطريركية المارونية العالمية. الهدف المعلن كان إيصال مواد غذائية وطبية ووقود ومستلزمات أساسية إلى العائلات المتضررة، وإيصال رسالة دعم معنوي بأن الجنوب لم يُترك وحيداً.

لماذا توقفت الزيارات مؤقتاً

رغم الحضور الميداني اللافت، لم تدم الجولات طويلاً. مصادر دبلوماسية وأمنية أكدت أن قيادة اليونيفيل وجهت تحذيرات مباشرة إلى السفير البابوي بضرورة تجنّب التوجّه إلى المناطق الأكثر عرضة للخطر، بعد ارتفاع احتمالات استهداف المواكب المدنية أو وقوع اشتباكات مفاجئة. وفق هذه المصادر، كان بورجيا يخطط لزيارات إضافية إلى بلدات في قضاءي مرجعيون وبنت جبيل، لكن القوات الدولية اعتبرت الوضع «غير آمن إطلاقاً» وأن أي تحرّك قد يعرض الوفد للخطر، ما دفع إلى تعليق الزيارات الميدانية مؤقتاً مع استمرار المتابعة عبر القنوات الدبلوماسية واستقبال وفود جنوبية في مقر السفارة البابوية في حريصا.

هذا القرار يعكس توازناً دقيقاً بين الرغبة في الحضور الميداني والالتزام بسلامة الأشخاص، ويضع الفاتيكان أمام معضلة متكررة في مناطق النزاع: كيف يوازن بين الوجود الرمزي والفعلي وبين مخاطر تعريض ممثليه للخطر؟ الإجابة العملية كانت استمرار إيصال المساعدات عبر قوافل منظمة، مع إبقاء الزيارات الميدانية محدودة ومخططاً لها وفق تقييمات أمنية دقيقة.

قوافل المساعدات وتأثيرها الميداني

على الرغم من القيود الأمنية، استمرت قوافل المساعدات في الوصول إلى القرى الجنوبية. المواد التي وصلت شملت سلال غذائية، أدوية ومستلزمات طبية، وقود لتشغيل مولدات، وأدوات تدفئة وملابس، إضافة إلى مساعدات مخصصة للعائلات التي فقدت منازلها أو تضررت ممتلكاتها. بحسب مصادر كنسية، الهدف الأساسي من هذه الجهود هو تمكين السكان من البقاء في أرضهم ومنع موجات نزوح جديدة قد تغيّر التركيبة السكانية في مناطق حساسة.

أحد القساوسة المشاركين في تنسيق التوزيع وصف الوضع بقوله إن «الناس لا يحتاجون فقط إلى طعام ودواء، بل إلى شعور بأن هناك من يذكرهم ويقف إلى جانبهم»، مضيفاً أن رؤية ممثل الفاتيكان يشارك في تفريغ الشاحنات أعطت الأهالي دفعة معنوية كبيرة. في قرى صغيرة حيث العلاقات الاجتماعية متينة، كان لتلك اللفتات أثر مضاعف: إعادة ثقة، تقوية الروابط المجتمعية، وإبطاء قرار الرحيل لدى عائلات كانت تفكر في النزوح.

البعد الفاتيكاني والاهتمام بالوجود المسيحي

الفاتيكان يعتبر الجنوب اللبناني جزءاً أساسياً من الوجود المسيحي التاريخي في الشرق الأوسط، واهتمامه بهذا الملف ليس جديداً بل له جذور تاريخية ودينية ودبلوماسية. في السنوات الأخيرة، ومع تزايد التوترات الإقليمية، صارت الحاضرة الرسولية أكثر نشاطاً في متابعة أوضاع الطوائف المسيحية في لبنان، سواء عبر التنسيق مع بكركي أو عبر بعثتها الدبلوماسية في بيروت. هذا الاهتمام ينبع من قناعة بأن أي تهجير جديد أو تغيير ديموغرافي سيكون ضربة للتنوّع اللبناني الذي لطالما دافعت عنه الفاتيكان.

مصادر كنسية تشير إلى أن الفاتيكان لا يكتفي بالرسائل الرمزية، بل يسعى إلى مزيج من العمل الإنساني والدبلوماسي: دعم مباشر عبر المساعدات، تواصل مع السلطات المحلية والدولية، وضغط دبلوماسي لمنع تفاقم الأوضاع. في هذا الإطار، تُعدّ زيارات السفير البابوي جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى إبقاء ملف الجنوب حاضراً على طاولة المجتمع الدولي.

ردود فعل محلية ومخاوف من تغيير ديموغرافي

على الأرض، لاقى الحراك الفاتيكاني ارتياحاً واسعاً بين السكان الذين شعروا بأن المجتمع الدولي لم ينسَ معاناتهم، خصوصاً في ظل غياب شبه كامل للدولة عن بعض القرى الحدودية. الأهالي عبّروا عن امتنانهم للمساعدات، لكنهم في الوقت نفسه أعربوا عن قلق عميق من أن يؤدي استمرار العنف إلى نزوح دائم يغيّر ملامح قراهم. أحد سكان دبل قال إن «الناس بحاجة إلى ضمانات للبقاء، وإلى حماية فعلية، وإلى خطة لإعادة الإعمار»، مشيراً إلى أن المساعدات الطارئة مهمة لكنها لا تغني عن حلول طويلة الأمد.

مراقبون سياسيون يرون في الحضور الفاتيكاني رسالة سياسية واضحة: دعم صمود الأهالي ورفض أي محاولة لفرض تغيير ديموغرافي قسري. لكنهم يحذرون من أن الرسائل الرمزية وحدها لا تكفي، وأن المطلوب تحرك دولي أوسع يضمن وقف التصعيد وفتح ممرات إنسانية وإعادة تأهيل البنى التحتية. في هذا السياق، يبقى دور الفاتيكان محدوداً لكنه مهم كجسر إنساني ودبلوماسي يذكّر العالم بوجود معاناة إنسانية حقيقية.

التحديات اللوجستية والأمنية أمام إيصال المساعدات

إيصال المساعدات في مناطق النزاع يواجه تحديات لوجستية كبيرة: طرق مقطوعة، مخاطر القصف أثناء النقل، نقص في الوقود، وصعوبة تأمين مخازن آمنة للتوزيع. المنظمات الكنسية اضطرت إلى تنسيق دقيق مع اليونيفيل والجهات المحلية لتحديد أوقات وممرات آمنة، وفي بعض الحالات تم توزيع المساعدات عبر نقاط تجمع آمنة خارج القرى ثم نقلها إلى الداخل بمساعدة متطوعين محليين. هذا الأسلوب قلّل من المخاطر لكنه لم يلغِها تماماً، ما يفسّر الحذر في استئناف الزيارات الميدانية.

كما أن الاعتماد على قوافل إنسانية يضع عبئاً على مؤسسات صغيرة الحجم، إذ تحتاج إلى تمويل مستمر، تنسيق لوجستي، وتعاون مع جهات دولية لضمان استدامة الدعم. هنا يبرز دور الشبكات الكنسية الدولية التي تستطيع جمع تبرعات سريعة وتوجيهها إلى نقاط الحاجة، لكن الحاجة إلى خطة إنسانية شاملة وطويلة الأمد تبقى ملحّة.

السيناريوهات المحتملة في المرحلة المقبلة

مصادر كنسية ودبلوماسية تؤكد أن الفاتيكان سيستمر في جهوده الإنسانية والدبلوماسية، مع تكثيف الاتصالات الدولية لمحاولة خفض التوتر ومنع اتساع دائرة المواجهات. في حال تحسّن الظروف الأمنية، قد تُستأنف الزيارات الميدانية للسفير البابوي وربما زيارة رمزية للبطريرك الراعي، لكن ذلك مرتبط بتقييمات أمنية دقيقة. وفي المقابل، إذا استمر التصعيد، فستتجه الجهود إلى تعزيز قنوات المساعدة عن بُعد وتوسيع شبكة الشركاء المحليين لضمان وصول الدعم.

يبقى الأهم أن تبقى أصوات القرى مسموعة على المستويات الدولية، وأن تتحول المبادرات الطارئة إلى برامج إعادة إعمار وحماية طويلة الأمد تضمن بقاء الأهالي وكرامة حياتهم. الفاتيكان، بصفته جهة دينية ودبلوماسية، يمكن أن يكون محفزاً لهذه الجهود، لكنه لا يملك وحده القدرة على حلّ أزمات بنيوية تتطلب تضافر جهود دولية وإقليمية ومحلية.

بين الميدان والدبلوماسية، يواصل الفاتيكان لعب دور محوري في الجنوب اللبناني، مستنداً إلى إرث طويل من الدفاع عن التنوّع اللبناني. الرسائل التي حملها السفير البابوي إلى القرى الحدودية لم تكن مجرد لفتات رمزية، بل كانت محاولة عملية للحفاظ على حياة الناس وكرامتهم في وجه عنف يهدد وجودهم. ورغم التوقف المؤقت للزيارات الميدانية لأسباب أمنية، فإن قوافل المساعدات والجهود الدبلوماسية تواصل إرسال رسالة واضحة: الجنوب ليس وحيداً، والوجود المسيحي لن يُترك.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment