محكمة العدل السماوية ... الوجع إذ يحكى!

04/06/2026 - 17:21 PM

A

 

 

 

بقلم: د. عامر ممدوح

أشفقت كثيراً على المبدع (عامر العيثاوي) وهو يتحمل عناء رسم لوحته المبكية لنا، وصوره الباعثة على القشعريرة والارتجاف ومحاولته الجادة لحملنا على بساط الخيال لندرك أي مأساة تعيشها غزة وأطفالها.

خيال؟!... وهل نحتاجه اليوم والأمر موثق صوت وصورة لحظة بلحظة.

(محكمة العدل السماوية) والمنشورة في ملحق أوروك الأدبي الصادرعن وزارة الثقافة والسياحة والآثار بالعدد 146، في 17 شباط 2016، محاكاة تمزج بين الأدب، والتوثيق، والرسالة الملتزمة، فلا تخلو من عبارات فيها لمسات أدبية بارعة، ووصف متقن، واستخدام ماهر لريشة قاص خبر ما يفعل، مثلما ان الأمثلة التي تضمنتها وبالأسماء والتواريخ إنما هي توثيق أمين لمأساة وطن كامل وِشعب بأجمعه، فضلاً عن إيراد الرسالة الأهم، أن النصر مع الصبر، والجرح فيه معنى الفخر.

القصة تبدأ باستهلال ذكي، فيه تصوير للمكان، والذي يحتضن الجرح ذاته، ويستخدم فضاء الإعلام للكشف والتبيان، ومقاربة واقع أطفالنا وأطفالهم، مع تلمس جرح (مريم) بمشرط الأديب المحترف، ويد الأب الحاني، وقلب الأمة النابض بالخير والتزام القضية، مبدأً لا خيار.

والسرد يتم بانتقالات مدروسة، فمع وقوع الإصابة، يأتي تلمس تردداتها النفسية على الطفلة وأهلها، ترددات بشرية مفهومة، لكن حدودها معلومة، فلا ينبغي أن تكون مدعاة لليأس او نبذ الهوية.

والإلماح إلى صنوف أخرى من المأساة، ومنها الجوع ومخاطرة الحصول على الغذاء، يزيد القصة قوة وأهمية، وهو نزوع يندرج في إطار التوثيق الذي ذكرناه في أعلاه، مع توظيف ذكي للحديث باللهجة الفلسطينية زيادة في حميمية الأجواء.

ويبقى مشهد المحكمة هو الأساس والمرتكز، والجامع لكل الصور والقصص والرسائل، إنه العدل الإلهي العظيم الذي يجبر الخواطر، ويعيد ترميم الذات، والتئام جروح الأنفس والأرواح مهما ظل جرح الجسد نازفاً.

وفي مشهد المحكمة تجلت براعة الكاتب وتفوقه في الإلمام بكل تلك العناصر المطلوبة لإكمال الصورة التي يبتغيها، وأراه نجح في ذلك وبشكل بديع، سواءً على مستوى تسلسل القصص، وبيان عمق المأساة، واستحضار تأريخ الوجع، وبث رسالة الاطمئنان إلى أن يوم العقاب والحساب آتٍ لا محالة، خزي وخيبة في الدنيا وعذاب منتظر في الآخرة، وانتصار للحق وبزوغ للفجر مهما الليل طال.

ولو أردنا أن نسجل بعضاً من الملاحظات على القصة لأمكننا القول أنها عانت بعضاً من مباشرة متكررة في العرض وكذلك الختام، جاء ذلك ــ كما احسب ـ على حساب اللغة الأدبية، والصورة الشاعرية المطلوبة، وربما أفهم ذلك بان موضوعها مليء بالأحداث الواقعية التي لا يمكن تجاهلها، ولكن على الجانب الآخر كان يمكن معالجتها بالمزيد من التكثيف للصور والوصف الممزوج بين الواقع والشعور.

كذلك كان ممكناً زيادة مساحة الحوارات الداخلية مع النفس، حديث مريم مع ذاتها، وحديث الأب الذي تكاد تطحنه المأساة، لمسة هنا وأخرى هناك، كانت كفيلة بمنح (محكمة العدل السماوية) مزيداً من بلاغة الوصف الأخاذ، وكل ذلك لا يقلل من قيمة هذه المساحة الإبداعية التي تنبئ بمستقبل أدبي مشرق..

دعواتنا لعامر بمزيدٍ من الاسهامات العامرة الموفقة.

* كاتب وأكاديمي 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment