سماحة الشيخ نعيم قاسم: مطلوب موقف كموقف الإمام الصدر لوقف التهجم على بكركي ورئيس الجمهورية

04/06/2026 - 11:22 AM

A

 

 

بقلم: ناجي علي أمهز

سماحة العلامة المقاوم الشيخ نعيم قاسم حفظكم المولى،

أكتب إليكم في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ وطننا، مدفوعاً بسببيْن لا ثالث لهما؛ الأول: إيماني بأنكم اليوم تمثلون زعامة الطائفة الشيعية ورمزية المقاومة، وقائداً وطنياً يؤيده عشرات الآلاف من مختلف المشارب. والثاني: أنكم صاحب سلطة وحكمة، تدركون يقيناً أن كلماتي هذه لا تبتغي إلا مصلحة "الأمة" والتعايش والوحدة الوطنية. وأصدقكم القول، إن صرختي هذه تأتي من قلبٍ كاد أن يتوقف وعقلٍ شارف على الانهيار، هولاً مما أراه من فجوة تتسع، ولو قُدّر لنخبة الحكماء في الرأي العام المسيحي أن يوصلوا صوتهم إليكم مباشرة، لاتخذتم من الإجراءات ما يفوق طموح كلماتي هذه بأضعاف.

سماحة الشيخ،

أستحضرُ هنا واقعة من عام 2018، حين أخبرني مثلث الرحمة الأباتي أنطوان ضو عن لقاء جمعه بسماحتكم. سألتُه يومها عن فحوى اللقاء، فقال لي بمرارة: "كنت أريد أن أطلب منه موقفاً يوقف الهجوم اللفظي على بكركي، موقفاً يُعيد إحياء مأثرة الإمام المغيب السيد موسى الصدر، الذي قال في ذروة الرصاص: من يطلق رصاصة على دير الأحمر كأنما يطلقها على عمامتي وصدري". لقد غادرنا زمن القذائف، لكننا دخلنا زمن "رصاص الكلمات"؛ وهو رصاص أكثر فتكاً بالنسيج الوطني، كونه يستهدف الروح والهوية.

فسألتُه: "إذن ماذا قلت؟"، فأخبرني أنه قال لسماحتكم: "إن الطائفة الشيعية باتت تعجُّ بـ (طواويس) يسيئون إلى تاريخ وثقافة الطائفة، ويظلمون قائد المقاومة الذي يعتكف في (محبسه) نصرةً للحق، وعلى هؤلاء إما أن يتحدثوا كما يلبسون، أو يلبسوا كما يتحدثون".

إنني أنشر هذا الكلام اليوم، مدركاً لحساسيته، لكنني أفعله غيرةً على الطائفة وحفاظاً على الوطن، وتحذيراً مما ستجنيه على نفسها إن استمر هذا الخطاب السياسي والإعلامي. فمهما بلغ "دهاء" الفرد وقدرته على "تدوير الزوايا"، يبقى فرداً لا يمكنه حماية طائفة بأكملها من تداعيات أخطائها، بينما تستطيع الطائفة بحكمتها أن تحتضن الجميع.

سماحة الامين،

نحن أمام معضلة تستوجب "تكليفاً شرعياً" أو موقفاً فقهياً حازماً. فلا يجوز، تحت أي ظرف، أنه كلما نطق رأس الكنيسة المارونية، خرجت "جحافل" تفتقر فهم الاسباب، لتنهال بالتهجم على سيد بكركي. إن هذا المقام يمثل وجدان أكثر من عشرين مليون ماروني حول العالم، وليس من شيمنا ولا من دورنا أن نملي على الآخرين قناعاتهم، أو أن نوحي لهم بشعار "تنحّوا لنجلس مكانكم".

كما أحيطكم علماً بأن بكركي منذ عقد ونيف تبذل جهوداً مضنية لمنع رجال الدين الموارنة الذين يستبدُّ بهم الألم من الرد على هذه الإساءات، وقد نجح المطارنة، وبمتابعة من مثلث الرحمة الأباتي ضو لدوره المسيحي الإسلامي، في تكريس الصمت وعدم تأجيج الفتنة؛ لأن الكنيسة تعتبر نفسها مسؤولة عن كل الوطن، ولو أُسيء إليها فإنها لن ترد الإساءة بالإساءة. لكن في المقابل، الكنيسة تحاول بجهد كبير للغاية أن توازن في خطابها بين تطلعات أبنائها المنتشرين في العالم (في دول عربية وغربية على عداء مع الطائفة الشيعية) وبين الداخل اللبناني، كما أن كل كلمة تقولها الكنيسة تخضع لـ "بحث وردّ وتنقيح" لما يقارب الأسبوع قبل نطقها، وبالمقابل نرى البعض في طائفتنا، ما إن تنتهي الكلمة حتى يصدروا مواقف يذهبون فيها بعيداً، مأخوذين بـ "نشوة التصفيق" العابر، غير مدركين لحجم الكسر الذي يتركونه في قلب الشريك الوطني.

سماحتكم، هؤلاء "لا يرحمون الطائفة ولا يدعون رحمة ربنا تنزل عليها"، وهم لا يكترثون للنازحين والمهجرين على الطرقات والاختلاط بين مختلف الطوائف والمكونات اللبنانية في ظل حرب ضروس وانقسام وطني خطير.

أما فيما يخص فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون،

فإن التهجم عليه بأسلوب يفتقر لقواعد الفكر والسياسة هو طعنة في خاصرة الدولة. وسماحتكم رجل دولة وقيادة مباشرة، وتعرفون أن الحكم محكومٌ بموازين دولية وإقليمية، وليس بمزاجيات شعبية. وإن خطاب فخامة الرئيس المتوازن، الذي يسير به بين "حقول ألغام" طائفية في ظل متغيرات إقليمية كارثية، هو قمة الحكمة الوطنية لتجاوز الأزمة بأقل الخسائر الممكنة.

ثم عند كل منعطف وأزمة نقول للطائفة: "اذهبوا إلى الدولة"، فكيف نعيب على رجال الدولة الذين يستضعفون أنفسهم أمام الدول من أجل تأمين أقل مقومات البقاء وتخفيف الضغوط عن لبنان من خلال التقارب مع المجتمع الدولي؟

سماحة العلامة،

في موازين العداء لإسرائيل، فإن الغالبية الساحقة من اللبنانيين، وفي مقدمتهم النخبة المسيحية، هم في حالة صراع وجودي ومعرفي مع هذا العدو، صراع قد يكون أعمق من جبهات القتال. أما في ملف فلسطين والدفاع عن القضايا العربية والإسلامية، فعلينا أن نتفهم هواجس بقية اللبنانيين.

أما سبب الصراع الإعلامي، فإنه كما يستفز الشيعة أن يستقبل أحد اللبنانيين أحداً من "جيش لبنان الجنوبي" الذي تعاون مع إسرائيل، فإن المسيحيين أيضاً يستفزهم كثيراً أن يكون بقايا المخابرات السورية وكتاب التقارير هم الذين يتصدرون المشهد الإعلامي والسياسي الشيعي، وهؤلاء يعتبرون جزءاً وسبباً أساسياً للمآسي التي أصابتهم زمن الوصاية السورية.

ورغم هذا الاستفزاز الذي يشعر به المسيحيون، إلا أن الموارنة كانوا يتفهمون سبب تواجد هؤلاء، لكن بعد سقوط نظام الأسد وتواجد حكومة معادية للشيعة، فإن ظهور هؤلاء لا يستفز فقط اللبنانيين المتضررين من الوصاية السورية، بل يستفز أيضاً الشعب السوري وحكومته الجديدة. ولنفرض مثلاً أن الحكومة السورية طالبت الدولة بتسليم أو محاسبة أحد هؤلاء لأسباب تتعلق بما فعلوه بالشعب السوري، مهددة بإغلاق المعابر الحدودية، فهل يعقل أن يحاسب كل الشعب اللبناني من أجل أشخاص مصابين بمرض الشهرة وحب المصالح الشخصية؟ وهؤلاء لو كانوا أصحاب عقول، لأقله اعتكفوا في منازلهم.

سماحة العلامة،

لقد بدأتُ أهرم، وأشعر أن يدي بدأت تتراخى عن الإمساك بـ "شعرة معاوية" التي تربط بين المسيحيين والشيعة. لقد رحل الكثير من الكبار الذين كنا نسهر معهم على صون هذا الانصهار الوطني، وبالمقابل فإن الفجوة تتسع. ومع أن القيادات المسيحية، حتى التي هي بعداوة معلنة مع الحزب، أحياناً كثيرة تتقبل رأيي، بالمقابل فإن الشيعة لا يصغون إلا للغة معينة أنا لا أتقنها.

إن الخطر على الطائفة الشيعية اليوم، رغم كل بطولاتها وتضحياتها، يأتي من بعض غير المتفهمين للمتغيرات؛ فهل نترك هذه التضحيات تضيع سدى؟

إنني أضع هذه الأمانة بين أيديكم، وهي أمانة طائفة ووطن.

عذراً على الإطالة، لكنه خوف المحب والحريص.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment