لبنان في قلب صراع المصالح: بين غياب القرار وتعدد الوصايا

04/06/2026 - 11:14 AM

Bt adv

 

 

 رشيد ج. مينا

ليس من السهل إيجاد توصيف جامع لما يجري منذ عقود، وصولًا إلى واقع الصراع اليوم. فمنهم من يصفه بالجنون، وآخرون يضعونه في إطار محاولات السيطرة الأمريكية، أو صراع النفوذ على الشرق الأوسط بما يحتويه من مخزون طاقة هائل، وإمكانات اقتصادية ضخمة، وممرات وعقد مواصلات استراتيجية.

وفي ظل هذا التعقيد، فإن الادعاء بمعرفة الحقيقة الكاملة أو القدرة على التنبؤ بمآلات الأمور هو بحد ذاته نوع من الوهم. والأقرب إلى الواقع أن كل طرف يسعى لتحقيق أهدافه، وأن مقدار النجاح أو الفشل يبقى رهينًا بطبيعة الصراع، وما يملكه أو يخفيه كل طرف من أدوات القوة، سواء الولايات المتحدة، إسرائيل، أو إيران، إلى جانب أدوار قوى أخرى كروسيا، الصين، تركيا، أوروبا، وحتى كوريا الشمالية.

إن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تُداران بقرارات فردية، بل عبر مؤسسات ترسم السياسات والخطط والتوجهات، بخلاف ما يُروّج أحيانًا. غير أن الثابت أن المشروع الصهيوني يشكل عاملًا حاكمًا في هذه السياسات، بما يخدم أهدافه المعلنة: إسرائيل الكبرى، والسيطرة على الشرق الأوسط، ومصادر الطاقة، والممرات الحيوية، مع إعادة ضبط الدور الإيراني ضمن حدود ووظيفة محددة في إطار الاستراتيجية الأمريكية الأوسع، خصوصًا في مواجهة الصين، واستخدامه كورقة ضغط في مواجهة الخليج وتركيا.

في مقابل ذلك، يبرز الغياب العربي كأحد أخطر عناصر المشهد، رغم الإمكانات الكبيرة. فالصراعات الداخلية، وتحييد مصر عن دورها التاريخي، واستنزاف دول المنطقة، كلها عوامل ساهمت في إخراج العرب من معادلة التأثير، في وقت يُعاد فيه رسم خرائط النفوذ في المنطقة.

أما لبنان، فلا يعيش حالة طارئة، بل استمرارًا لمسار بدأ منذ عقود، وإن كان اليوم أكثر حدّة وخطورة. فالسلطة فيه موزعة، والقرار السياسي مشرذم، والقرار العسكري مسلوب، فيما تتحكم كارتيلات بمفاصل الاقتصاد والخدمات. وتحت عناوين الخوف والوجود والأقليات، ارتبطت قوى الطوائف والمذاهب بالخارج، حتى تحوّلت مقاومة الاحتلال من مشروع وطني جامع إلى حالة مذهبية مرتبطة بأجندات إقليمية.

إن التبعية لأي طرف خارجي — سواء لإيران أو فرنسا أو الولايات المتحدة، أو حتى التسويق للتعامل مع إسرائيل أو إمكانية السلام معها — تبقى خارج المصلحة الوطنية اللبنانية. ولا يمكن، بأي حال، مساواة هذه الارتباطات بالعلاقة مع العمق العربي، الذي يشكّل الامتداد الطبيعي للبنان.

من هنا، فإن العرب — من مصر إلى دول الخليج وباقي الدول العربية — مطالبون باستعادة المبادرة، وتوحيد الموقف، وإثبات حضورهم في رسم مستقبل المنطقة. فذلك ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المرحلة.

وفي هذا السياق، سيكون لبنان أول المستفيدين من أي تقارب أو تكامل عربي حقيقي. كما أن على القوى اللبنانية العودة إلى لبنانيتها، ووضع مصلحة الوطن والشعب فوق كل اعتبار، والتخلي عن منطق الخوف والتخويف، وثنائيات الأقلية والأكثرية.

لبنان العربي الديمقراطي هو للجميع، ولا فضل فيه للبناني على آخر. فجميع اللبنانيين مستهدفون من العدوان الإسرائيلي ومحاولات السيطرة الخارجية، ولا يمكن للطائفية أو المذهبية أن تكون ضمانة أو حماية، بل هي أحد أبرز أسباب الضعف والانكشاف.

إن الوحدة الوطنية الشعبية اللبنانية تبقى السلاح الأمضى في مواجهة العدوان، وهي الضمانة الحقيقية لبقاء لبنان واستعادة دوره، بعيدًا عن أي ارتهان أو تبعية.

في خضم هذا المشهد المعقّد، لا يبقى للبنان سوى خيار واحد:

الدولة.

الطوائف لا  تحمي، ولا المحاور تنقذ، ولا الارتباطات الخارجية تبني وطنًا. الدولة وحدها، بمؤسساتها، بقرارها السيادي، وبحصرية السلاح بيدها، هي القادرة على حماية لبنان وصون وحدته واستعادة دوره.

إن الاستمرار في تعدد المرجعيات وتقاسم القرار لن يؤدي إلا إلى المزيد من الانكشاف، ولن يكرّس إلا واقع الساحة المفتوحة. أما الانتقال إلى منطق الدولة، فهو وحده ما يعيد للبنان توازنه، ويضع حدًا لاستخدامه في صراعات الآخرين.

لبنان لا يحتاج إلى تسويات على حسابه، ولا إلى أوهام حماية من الخارج، بل إلى إرادة داخلية جامعة تعيد بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة والسيادة.

فإما دولة تُحكم من داخلها، أو ساحة تُدار من خارجها.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment