مسيحيو جنوب لبنان على حافة الخطر… قصة بشر يرفضون الرحيل ودبلوماسي يحمل الأمل على كتفيه

04/01/2026 - 04:03 AM

https://metrolinktrains.com

 

 

كتب الاب الدكتور نبيل مونس *

على الطرق المؤدية إلى القرى المسيحية في جنوب لبنان، يبدو المشهد كأنه خارج من زمن آخر. الحقول التي كانت خضراء تحوّلت إلى مساحات صامتة، والبيوت التي كانت تضج بالحياة باتت محاطة بالركام. في قرى رميش ودبل وعين إبل والقليعة، يعيش السكان ما يشبه اختبارًا يوميًا للبقاء، وسط قصف متواصل، وطرقات مقطوعة، وخدمات منهارة، وخوف يتسلل إلى تفاصيل الحياة الصغيرة. ومع ذلك، لا يزال هؤلاء الناس متمسكين بأرضهم، يرفضون النزوح رغم كل ما يحيط بهم من تهديدات، فيما يبرز دور السفير البابوي في لبنان، المطران باولو بورجيا، كأحد أبرز الأصوات التي تحاول حماية هذا الوجود من الانهيار.

في القرى المسيحية الحدودية، لا يتجاوز عدد العائلات المتبقية بضعة آلاف، بعضها يعيش في منازل متصدعة، وبعضها الآخر في الطوابق السفلية هربًا من القذائف. الأهالي يصفون يومياتهم بأنها “حياة معلّقة”، لا تشبه الحرب ولا تشبه السلم. الكهرباء مقطوعة لساعات طويلة، الاتصالات تتوقف بشكل متكرر، والطرقات التي تربط القرى بعضها ببعض باتت محفوفة بالخطر. في القليعة، لا تزال حادثة مقتل الأب بيار الراعي حاضرة في ذاكرة الناس، بعدما قضى أثناء محاولته إسعاف أحد الجرحى إثر استهداف المنطقة بقصف مفاجئ.

وفي عين إبل، يتحدث الأهالي عن ثلاثة شبان فقدوا حياتهم بينما كانوا يصلحون خطوط الإنترنت فوق سطح منزل. وفي دبل، يروي السكان كيف قُتل أب وابنه أثناء محاولتهما إيصال الخبز إلى الأهالي المحاصرين. هذه القصص ليست استثناءً، بل جزء من واقع يومي يعيشه السكان منذ أشهر.

ورغم كل ذلك، يرفض معظم المسيحيين مغادرة قراهم. هذا التمسك بالأرض ليس مجرد موقف عاطفي، بل هو شعور عميق بأن الرحيل يعني خسارة الهُوِيَّة، وأن النزوح قد يتحول إلى تغيير ديموغرافي دائم لا يمكن عكسه. ومع الأزمة الاقتصادية التي تضرب لبنان، لا يملك كثيرون القدرة على الانتقال إلى بيروت أو الشمال، ولا توجد خطط حكومية لإيواء النازحين أو دعمهم. الدولة شبه غائبة، والجيش محدود القدرة، فيما يشعر السكان بأن الكنيسة هي الجهة الوحيدة التي تقف معهم.

في هذا المشهد، برز دور السفير البابوي المَطْرَان باولو بورجيا، الذي تحوّل خلال الأسابيع الماضية إلى شاهد ميداني على معاناة الجنوب. الرجل لم يكتفِ بالبيانات الدبلوماسية، بل نزل إلى الأرض، إلى القرى نفسها، إلى البيوت المتضررة، إلى الكنائس التي تهتز تحت وقع القصف. زار رميش ودبل وعين إبل والقليعة وصور، والتقى الأهالي، وعاين الأضرار، وشارك بنفسه في تفريغ شاحنات المساعدات، حاملاً الصناديق على كتفيه في مشهد أثار احترامًا واسعًا. في إحدى الزيارات، سقطت قذائف على مقربة من موكبه، لكنه رفض المغادرة، مؤكدًا أن وجوده بين الناس هو رسالة بحد ذاته. كان يكرر في كل محطة: “البابا يصلّي من أجلكم… ولن نسمح بأن تُترك هذه القرى لمصيرها”.

التحرك الفاتيكاني لم يكن إنسانيًا فقط، بل سياسيًا أيضًا. فقد تلقّى الفاتيكان طلبًا رسميًا من وزارة الخارجية اللبنانية للتدخل لحماية القرى المسيحية، وأجرى وزير خارجية الفاتيكان، المطران بول ريتشارد غالاغر، اتصالات مع دول مؤثرة للضغط باتجاه حماية المدنيين ومنع التهجير. كما عملت المنظمات الكنسية، مثل كاريتاس وCNEWA وL’Œuvre d’Orient، على تعزيز المساعدات الغذائية والطبية وتوفير المولدات والدعم النفسي للعائلات المتضررة. هذه الجهود ساهمت في إبقاء القرى صامدة، ولو بالحد الأدنى، ومنعت حتى الآن موجة نزوح جماعي كانت ستغيّر وجه الجنوب إلى الأبد.

الخطر لا يزال قائمًا. فالمسيحيون يجدون أنفسهم عالقين بين نارين: القصف الإسرائيلي الذي لا يميّز دائمًا بين هدف عسكري ومنزل مأهول، ووجود حزب الله في محيط بعض القرى أو داخلها، ما يجعلها عرضة للاستهداف. ومع غياب الدولة، يشعر السكان بأنهم وحدهم في مواجهة مصير مجهول. يقول أحد أبناء القليعة: “لا نريد سوى البقاء. لسنا طرفًا في الحرب، لكننا ندفع ثمنها كل يوم”. وتقول امرأة من عين إبل: “أطفالي لا يعرفون كيف يبدو النهار في الخارج. نعيش في الطابق السفلي منذ أسابيع”. أما أحد أبناء دبل فيختصر المشهد بقوله: “الكنيسة هي الدولة بالنسبة لنا”.

المستقبل مفتوح على ثلاثة سيناريوهات: استمرار الصمود إذا نجحت الجهود الدبلوماسية، نزوح تدريجي إذا توسّعت العمليات العسكرية، أو تهجير واسع وهو السيناريو الأخطر الذي يحذّر منه الفاتيكان لأنه يعني نهاية الوجود المسيحي التاريخي في الجنوب. ومع ذلك، لا يزال السكان متمسكين بأرضهم، والسفير البابوي مستمر في زياراته، والفاتيكان يواصل ضغوطه، في محاولة لوقف الانهيار قبل فوات الأوان.

في الأيام الأخيرة، بدا انسحاب الجيش اللبناني من عدد من النقاط المتقدمة في الجنوب كأنه فصل جديد من القلق الذي يعيشه الأهالي. لم يكن الانسحاب قرارًا سياسيًا بقدر ما كان نتيجة طبيعية لواقع ميداني يزداد خطورة، حيث تتعرض الطرقات والمواقع العسكرية لقصف متكرر يجعل بقاء الجنود شبه مستحيل. ومع مغادرة الجيش بعض المواقع، شعر السكان بأن الغطاء الأخير الذي كان يمنحهم شيئًا من الطمأنينة قد بدأ يتراجع. أحد أبناء القليعة قال بصوت مكسور: “حين رأينا آليات الجيش تغادر، شعرنا أن ظهرنا انكشف. الجيش ليس مجرد قوة عسكرية… هو رمز وجود الدولة بيننا”.

ورغم الانسحاب من بعض النقاط، يؤكد ضباط في المؤسسة العسكرية أن الجيش لم يترك الجنوب، بل أعاد تموضعه لحماية جنوده وللاحتفاظ بقدرته على التدخل عند الحاجة. لكنّ الناس، الذين يعيشون تحت القصف، لا يرون في إعادة التموضع سوى خطوة إضافية نحو المجهول. بالنسبة لهم، وجود الجيش ليس تفصيلًا عسكريًا، بل عنصرًا أساسيًا في معادلة البقاء. ومع كل آلية تغادر موقعًا حدوديًا، يتراجع شعور الأمان خطوة أخرى، ويزداد الخوف من أن تتحول القرى إلى مساحات مكشوفة لا يحرسها سوى صمود أهلها وصلواتهم.

اليوم، يقف مسيحيو جنوب لبنان على حافة الخطر، لكنهم لا يزالون يقاومون. قصتهم ليست مجرد تفاصيل حرب، بل قصة وجود مهدّد، وصمود يومي، وقلق لا ينتهي. وفي قلب هذا المشهد، يبرز دور السفير البابوي كجسر بين الأرض والسماء، بين الألم والأمل، بين الخوف والإصرار على البقاء. الجنوب يكتب فصلًا جديدًا من تاريخه، والفاتيكان حاضر فيه، ليس كمتفرّج، بل كفاعل يحاول أن يمنع سقوط آخر خطوط الوجود المسيحي في المنطقة.

هذه ليست حربًا فقط. إنها معركة وجود، وصمود، وكرامة. والجنوب واهله، رغم كل شيء، لا يزال ينبض.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment