السفير مسعود معلوف
منذ أن بدأت إسرائيل حربها التدميرية على لبنان مطلع شهر آذار، متذرعة ببضع قذائف أطلقها حزب الله من جنوب لبنان، تم تهجير ما لا يقل عن مليون نسمة أصبحوا الآن بدون مأوى، لاجئين في الشوارع والمدارس والجوامع والكنائس، وقد دمر الجيش الإسرائيلي بيوتهم بعد إخلائها لمنعهم من العودة الى قراهم ومدنهم، كما دمر العديد من الأبنية والمنشآت المدنية في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت مهجراً السكان الى مناطق مختلفة.
الى جانب هذا التدمير الذي ما زال مستمراً، أعلن وزراء في الحكومة الإسرائيلية ان الجيش الإسرائيلي يقوم "بتنظيف" منطقة الجنوب لجعلها منطقة عازلة لا وجود لحزب الله فيها وذلك من أجل حماية السكان المقيمين في شمال إسرائيل.
مع أن الأمم المتحدة اعتبرت هذا العمل على أنه إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث فرضت إسرائيل إخلاء 14% من الأراضي اللبنانية من السكان المتجذرين في قراهم ومدنهم، لم تتخذ أية دولة إجراءات عملية لإيقاف إسرائيل عن هذه الاعتداءات، بل اكتفت بعض الدول بانتقاد هذه الهجمات وبإصدار تصريحات تطالب إسرائيل باحترام سيادة لبنان، مشددة في هذه التصريحات على ضرورة قيام الدولة اللبنانية بتجريد سلاح حزب الله.
الجميع يعرف أن رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو يخضع لمحاكمات بتهم الفساد، وأن الانتخابات التشريعية ستجري في السابع والعشرين من شهر تشرين الأول القادم، وفي حال فشل حزبه في هذه الانتخابات وعدم عودته الى رئاسة الحكومة، من المرجح جدا انتهاء حياته السياسية وربما دخوله السجن، لذلك نراه يقوم باستمرار بعمليات عسكرية في لبنان وسوريا واليمن، ويشن الآن حربا بمشاركة الولايات المتحدة ضد إيران، كل ذلك من أجل أن يُقنِع الإسرائيليين بأنه يدافع عنهم على عدة جبهات، ونراه أيضاً يتحدث عن بدء العمل الفعلي لإقامة "إسرائيل الكبرى". ومعروف أن قسما لا بأس به من لبنان يقع ضمن الخرائط التي يرسمها الإسرائيليون لدولتهم التوراتية.
مما يزيد المخاطر على لبنان هو الانقسام الداخلي العميق حول حزب الله إذ أن قسماً لا بأس به من الشعب اللبناني عنده مواقف سلبية من هذا الحزب منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990 عندما سلم معظم الفئات المتحاربة سلاحه وأوقف القتال باستثناء حزب الله الذي يصنف نفسه بالمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ويسعى الى تحرير لبنان بالكامل من هذا الاحتلال.
أخصام حزب الله يتهمونه بأن أهدافه لا تتعلق بالمصلحة اللبنانية إذ أنه ساند حركة حماس بعد عمليتها في السابع من أكتوبر 2023 فكان ذلك السبب لقيام إسرائيل بشن حرب شعواء على لبنان دامت سنة كاملة انتهت باتفاق لوقف إطلاق النار في أواخر عام 2024 برعاية أميركية وفرنسية وبموافقة حزب الله، ولكن منذ ذلك التاريخ حتى بدء الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران، خرقت إسرائيل هذا الاتفاق آلاف المرات دون أن ينفذ الحزب أي رد على ذلك، الى أن حصل مقتل المرشد الأعلى الإيراني الإمام علي خامنئي في مطلع شهر آذار، فقام الحزب عندئذ بتوجيه بعض القذائف الى الشمال الإسرائيلي انتقاما لذلك، وتنفيذاً لإرادة إيران حسب ما يقوله أخصام الحزب.
لا بد من التذكير هنا أنه عند انتخاب الرئيس جوزاف عون رئيساً للجمهورية في مطلع سنة 2025 أعلن في خطاب القسم أمام المجلس النيابي اللبناني مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة التي ينبغي ان تكون وحدها المسؤولة عن اتخاذ قرارات الحرب والسلم. وبعد تشكيل الحكومة برئاسة الدكتور نواف سلام وعضوية الأحزاب الأساسية في لبنان بما فيها حزب الله، تبنت الحكومة هذا المبدأ في بيانها الوزاري الذي وافق عليه المجلس النيابي.
تم عندئذ تكليف قائد الجيش من قبل مجلس الوزراء إعداد خطة لتنفيذ ذلك، وبعد بضعة أشهر، حضر قائد الجيش الى مجلس الوزراء للإبلاغ عن إنهاء وجود الحزب جنوب نهر الليطاني وتسلم الجيش اللبناني هذه المنطقة والاستعداد للعمل شمالي النهر.
وكم كانت المفاجأة كبيرة على الجميع عندما أظهر حزب الله وجوداً عسكرياً فاعلاً في الجنوب بعد أن ردت إسرائيل على القذائف التي أطلقها انتقاما لمقتل آية الله خامنئي، والمعارك التي ينفذها لمواجهة التدخل العسكري البري في الأراضي اللبنانية، والصواريخ التي يطلقها باتجاه إسرائيل بشكل مكثف
المشكلة الكبرى الآن هي أن هذا التدمير الإسرائيلي المتعمد وتهجير السكان بدل أن يوحد الشعب اللبناني نراه يؤدي الى مزيد من الانقسام إذ أن كثيرين من اللبنانيين يتهمون الحزب بأن أولوياته إيرانية وليست لبنانية وأنه تسبب بكل هذه المآسي للبنان بالإضافة الى احتمال احتلال إسرائيل للجنوب اللبناني، بينما نرى مؤيدي الحزب يتهمون الفريق الآخر ورئيس البلاد ورئيس الوزراء بأنهم ينصاعون للأوامر الإسرائيلية ويصنفونهم بالصهاينة.
مما لا شك فيه أن الوضع في لبنان مرتبط الى حد بعيد بالحرب في إيران، والانقسام في المجتمع اللبناني من شأنه أن يؤدي الى أوضاع سيئة للغاية في لبنان مهما كانت نتائج هذه الحرب. فإذا صمدت إيران وتوقفت الحرب بالتوصل الى اتفاق ما، فإن فريق حزب الله سيرتد على الداخل اللبناني المتهم بالانصياع لإسرائيل ويحاول تنفيذ تهديداته لهذا الفريق، وإذا انهزمت إيران فمن المحتمل ان تستمر إسرائيل في عملياتها العسكرية ضد الحزب في مختلف المناطق اللبنانية وربما تحتل الجنوب اللبناني تنفيذا لرغبة نتنياهو لإظهار حمايته للإسرائيليين لغايات انتخابية وللظهور بمظهر من يقوم بالخطوات اللازمة لتحقيق إسرائيل الكبرى، بالإضافة الى حصول المزيد من الشرخ في الداخل اللبناني عبر اتهام الحزب بالمسؤولية عما تقوم به إسرائيل في لبنان.
أمام هذا الواقع الذي من شأنه أن يؤدي الى نهاية لبنان الذي نعرفه، لا بد لجميع مكونات الشعب اللبناني من الانضواء تحت لواء الحكومة اللبنانية التي تمثلهم جميعاً، والسعي معاً الى الضغط على الدول الفاعلة مثل الولايات المتحدة وفرنسا، كي تضغط بدورها على إسرائيل لإيقاف هجماتها على لبنان والانسحاب التام منه، ودعم جهود الحكومة اللبنانية لإعادة الإعمار وعودة النازحين الى مدنهم وقراهم.
فقط وحدة اللبنانيين تستطيع إقناع الدول الفاعلة على القيام بهذا العمل، وفي حال بقي المجتمع اللبناني مقسماً كما هو الآن، فمن المحتمل جداً عدم قيامة لبنان وتقسيمه وسيطرة الدول المجاورة عليه باعتباره دولة غير قابلة للحياة، لا سمح الله!
فهل سيعي اللبنانيون خطورة الوضع ويتعاونون مع بعضهم البعض لجعل لبنان فعلا بلد السلام وبلد الإشعاع والنور؟
* مسعود معلوف شخصية دبلوماسية لبنانية مخضرمة، تجمع بين الخبرة الرسمية كسفير سابق، والتحليل السياسي العميق للشؤون الأميركية والإقليمية، ما جعله مرجعاً إعلامياً في الملفات الحساسة المتعلقة بلبنان والشرق الأوسط.











03/31/2026 - 20:16 PM





Comments