بركات شاهين
لا يمكن لأي مشروع استثماري أن ينجح في بيئةٍ تفتقر إلى إدارةٍ كفوءةٍ ترتقي إلى مستوى طموحات إعادة الإعمار. فالمسألة لا تتعلق بتقديم التسهيلات أو الحوافز أو حتى إبداء حسن النوايا، بقدر ما ترتبط بوجود منظومة إدارية حديثة قادرة على ضبط المخاطر، وترسيخ الاستقرار، وبناء ثقة المستثمرين، لا سيما في القطاعات الصناعية التي تتطلب رؤوس أموال كبيرة وآجالاً طويلة.
لذا فإن التحدي الحقيقي الذي تواجهه سورية اليوم لا يكمن فقط في استقطاب الاستثمارات، بل في إعادة بناء الدولة كمؤسسة قادرة على إدارة هذه الاستثمارات بكفاءة وشفافية، خاصةً أن سورية ورثت من النظام البائد منظومةً إداريةً مهترئةً عشعش فيها الفساد والبيروقراطية، الأمر الذي يجعل من الإصلاح الإداري نقطة الانطلاق لأي نهوض اقتصادي حقيقي.
فالصناعة، على وجه الخصوص، لا تزدهر في بيئة مضطربة أو في ظل جهاز إداري مترهل، بل تحتاج إلى مؤسسات فعّالة، وقرارات مدروسة، وأطر تنظيمية واضحة ومستقرة.
لقد أظهرت التجارب السابقة أن الخلل في الإدارة كان عاملاً حاسماً في تراجع الأداء الاقتصادي. فمنذ مرحلة التأميم في ستينيات القرن الماضي، حين انتقلت إدارة العديد من الشركات من أصحاب الخبرة إلى كوادر غير مؤهلة، بدأت ملامح التراجع تظهر بوضوح، وتعمّقت لاحقاً مع توسّع القطاع العام دون تطوير حقيقي في كفاءته أو آليات عمله.
ورغم أن مرحلة ما بعد عام 1973 شهدت تدفقاً في الموارد وإطلاق مشاريع كبرى، إلا أن غياب الإدارة الرشيدة أدى إلى تشوّهات هيكلية، تمثلت في ضعف الإنتاجية، وسوء توزيع الموارد، وتفشي الفساد. كما أن هيمنة القطاع العام، مقابل تهميش القطاع الخاص، حدّت من ديناميكية الاقتصاد وأفقدته قدرته على الابتكار والمنافسة.
وفي التسعينيات، ومع عودة الاستثمار الخاص، ظهرت فرصة لإعادة التوازن، إلا أن هذه الفرصة بقيت محدودة الأثر بسبب استمرار الخلل المؤسسي وضعف البنية الإدارية.
اليوم، ومع الحديث عن مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي والتوجه نحو جذب الاستثمارات العربية والدولية، يصبح إصلاح الإدارة العامة أولوية مطلقة، لا خياراً مؤجلاً. فنجاح أي سياسة اقتصادية مرهون بوجود جهاز إداري محترف، يتمتع بالكفاءة، ويخضع للمساءلة، ويعتمد على معايير واضحة في اتخاذ القرار.
إن إعادة هيكلة إدارة الدولة لا تعني فقط تغيير الأشخاص، بل تتطلب إعادة تعريف دور المؤسسات، وتحديث أنظمتها، وتبسيط إجراءاتها، وربط الأداء بالنتائج. كما تستدعي الاستثمار في تأهيل الكوادر البشرية، واستقطاب الخبرات، والاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في بناء إدارات عامة فعّالة، مشيرين إلى أن سورية في بداية السبعينيات اعتمدت في بناء هيكليتها الإدارية وجهازها الحكومي على الخبرات الألمانية و خبراء منظمات الأمم المتحدة.
ولا بد من التأكيد أن استقرار سعر الصرف، وتحسين البنية التحتية، وتوفير التمويل، تبقى عوامل مهمة، لكنها تفقد تأثيرها في غياب إدارة قادرة على توظيفها بكفاءة ضمن رؤية تنموية متكاملة.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي نجحت في إعادة الإعمار لم تعتمد فقط على الأموال، بل على بناء مؤسسات قوية ومرنة. ومن هنا، فإن مستقبل الاستثمار في سورية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرتها على إعادة بناء جهازها الإداري، وتحويله من عبءٍ على التنمية إلى محرّكٍ رئيسي لها.











03/31/2026 - 11:03 AM





Comments