إلى أين وصلت إسرائيل في جنوب لبنان وما هي دلالات التقدم الميداني؟

03/29/2026 - 19:22 PM

A

 

 

تقرير ميداني وتحليلي - حورج ديب

في تصعيد ميداني جديد على جبهة جَنُوب لبنان، أفاد مصدر عسكري لبناني بأن القوات الإسرائيلية تقدمت إلى محيط نهر الليطاني في عدة محاور، واحتلت مواقع داخل بلدات غربية ووسطى، فيما تصاعدت تصريحات القادة الإسرائيليين حول توسيع "منطقة أمنية" جنوباً. هذه التحركات ليست مجرد تقدم تكتيكي على الأرض؛ بل تحمل دلالات استراتيجية وسياسية قد تعيد تشكيل خريطة الصراع في الشمال اللبناني وتؤثر على توازنات القوى الإقليمية.

مصدر عسكري لبناني أفاد بأن القوات الإسرائيلية وصلت إلى إحدى متفرعات مجرى نهر الليطاني في القطاع الشرقي، وتقدمت إلى محيط الليطاني من أسفل بلدة القنطرة عند منطقة المحيسبات. وأضاف المصدر أن القوات دخلت بلدة البياضة في القطاع الغربي وثبتت مواقع داخلها، كما التفتت على بلدة عيترون ووصلت إلى أطراف وادي السلوقي. وفي القطاع الأوسط، وصلت القوات إلى بلدة رشاف وتمركزت بين صربين وبيت ليف. هذه التحركات تشير إلى محاولة إسرائيلية لتمديد سيطرتها الميدانية شمالًا وبناء عمق دفاعي أو «منطقة عازلة» على مقربة من الليطاني.

الليطاني مهم استراتيجيًا؟

نهر الليطاني يشكل خطًا طبيعيًا ذا قيمة تكتيكية واستراتيجية في جَنُوب لبنان. السيطرة على محيطه تمنح من يسيطر عليه قدرة على مراقبة وتحجيم تحركات الخَصْم، وتوفر عمقًا دفاعيًا يمكن أن يُستخدم لمنع إطلاق صواريخ أو مهاجمة مواقع حدودية. إعلان إسرائيل عن نيتها توسيع "المنطقة الأمنية» حتى الليطاني يعكس رغبة في خلق حزام أمني أوسع يبعد تهديدات صاروخية ومسلّحة عن الحدود الإسرائيلية.

 توسيع المنطقة الأمنية؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أصدر توجيهات بتوسيع العمليات في جَنُوب لبنان بهدف "تغيير الوضع" وخلق منطقة تمنع تهديدات مضادة على الحدود. هذا التوجه ينسجم مع تصريحات رسمية سابقة عن نية إقامة «منطقة منزوعة السلاح» أو "حزام أمني" يصل إلى الليطاني، وهو ما يتطلب عمليات برية واسعة النطاق وثباتًا ميدانيًا في بلدات وممرات استراتيجية. مثل هذا المسعى يحمل في طياته مخاطر طويلة الأمد على الاستقرار اللبناني ويثير تساؤلات حول إمكانية احتلال أو بقاء قوات إسرائيلية في مناطق لبنانية لفترات ممتدة.

تداعيات إنسانية وميدانية فورية

التقدم الإسرائيلي في جَنُوب لبنان ترافق مع موجات قصف وهجمات متبادلة، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى ونزوح واسع. الأمم المتحدة والجهات الإنسانية تشير إلى أعداد كبيرة من النازحين داخليًا، بينما تتصاعد معاناة المدنيين جراء تدمير البِنَى التحتية وقطع سبل العيش. على المستوى الميداني، سيؤدي التمركز الإسرائيلي في بلدات مثل "البياضة ورشاف" إلى اشتباكات محتدمة مع عناصر مسلحة محلية، ورفع منسوب الخسائر المادية والبشرية في الأيام المقبلة.

دلائل ميدانية إضافية وعمليات استخباراتية

قوات إسرائيلية نفذت عمليات تمشيط ومداهمات في مناطق عدة، وأفادت تقارير إسرائيلية عن العثور على مخابئ وذخائر داخل مبانٍ مدنية في جَنُوب لبنان، ما تستخدمه تل أبيب لتبرير عملياتها الأمنية. في المقابل، المقاومة اللبنانية (بما في ذلك عناصر مرتبطة بحزب مسلح) أعلنت عن مواجهات وصواريخ مضادة، ما يجعل المشهد ميدانيًا متقلبًا ويزيد من احتمالات اشتعال جبهات جديدة.

إسرائيل تسعى إلى "نموذج غزة" في لبنان؟

بعض المحللين يرون أن الهدف الإسرائيلي قد يتجه نحو خلق "منطقة أمنية" دائمة تشبه إلى حد ما الإجراءات التي اتخذت في ساحات أخرى، لكن تطبيق "نموذج غزة" في لبنان يواجه عقبات جوهرية: الطبيعة الجغرافية المتشابكة، وجود شبكات مقاومة متجذرة داخل المجتمع اللبناني، والضغط الدولي والإقليمي الذي قد يزداد مع أي احتلال طويل. دراسات مراكز بحثية تحذر من أن احتلالًا مطولًا سيعمل لمصلحة قوى المقاومة ويقوّي رواياتها الشعبية، ما قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى المتوسط والطويل.

ماذا يعني هذا للمجتمع الدولي؟

المجتمع الدولي يواجه معضلة: من جهة، هناك ضغوط على إسرائيل لضمان أمن حدودها؛ ومن جهة أخرى، هناك قلق واسع من تداعيات أي توغل بري واسع على المدنيين واستقرار لبنان. دعوات لوقف التصعيد وفتح قنوات دبلوماسية تتزايد، لكن قدرة هذه الدعوات على تغيير مسار العمليات الميدانية تبقى محدودة ما لم تترافق مع ضغوط سياسية واقتصادية فعّالة على الأطراف المعنية.

التقدم الإسرائيلي في جنوب لبنان باتجاه محيط الليطاني وامتداده إلى بلدات مثل "البياضة وعيترون ورشاف" يمثل مرحلة جديدة في مسار الصراع الإقليمي. ما يحدث ليس مجرد مناورة عسكرية؛ إنه اختبار لقدرة الأطراف على إدارة تصعيد قد يتحول إلى مواجهة طويلة الأمد. في ظل هشاشة المشهد اللبناني وتعقيدات التحالفات الإقليمية، يبقى السؤال الأكبر: هل ستنجح الجهود الدبلوماسية في احتواء المواجهة قبل أن تتحول إلى فصل جديد من الصراع الإقليمي؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment