إيلي إ. حرب
في ظل الحرب القائمة والتحولات الإقليمية المتسارعة، بات السؤال عن ماهية النموذج الذي سيحكم موقع الطائفة الشيعية في لبنان : هل ستكون طائفة مندمجة في الدولة، أم ستبقى قوة مستقلة داخلها؟
هذا السؤال يعيد إحياء التباين العميق بين ثلاث مدارس-نماذج حكمت العقل السياسي الشيعي في العقود الماضية : مدرسة الدولة، مدرسة إعادة تعريف الدولة ومدرسة التوازن الجامع بينهما.
في نموذج الدولة أو المدرسة الشيعية الدستورية الممثلة بمفكرين وسياسيين ورجال دين وخصوصا بالرئيسين السابقين لمجلس النواب حسين الحسيني والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى محمد مهدي شمس الدين، تتقدم الدولة التي نشأت مع اتفاق الطائف على منطق الطوائف وترى حتمية حماية الدولة للطائفة. لا بل تذهب هذه المدرسة الى حد اعتبار الميثاقية أداة تعطيل وتفكيك للنظام من الداخل.
تعتبر هذه المدرسة أن أي قوة شيعية خارج الدولة ستؤدي إلى إضعاف الشرعية الوطنية، وأن أي تعطيل طائفي سيقود إلى انهيار تدريجي للمؤسسات وبمعنى آخر، إن أي خطر على الشيعة لا يأتي من فقدان القوة، بل من فقدان الدولة.
في نموذج إعادة تعريف الدولة أو مدرسة القوة، الممثل بحزب الله، انقلاب على المدرسة الشيعية الدستورية، ويقول بإعادة بناء موقع الطائفة بالكامل وتحويلها من طائفة داخل الدولة إلى قوة إقليمية مرتبطة بمحور تقوده إيران. عماد هذه المدرسة-النموذج اعتبار أن الدولة ليست المرجعية الوحيدة وأن السلاح ليس خاضعًا للمؤسسات وأن القرار الاستراتيجي يتجاوز الحدود اللبنانية، وتاليا خلق معادلة جديدة خارج منطق الدولة تقوم على منطق القوة التي تحمي الطائفة.
تحمل هذه المعادلة مخاطر استراتيجية، فهي تربط مصير الطائفة بصراعات إقليمية، وتعرضها لضغوط عسكرية مستمرة وتضعف إمكانية بناء دولة سيادية كما هي الحال اليوم.
نموذج التوازن أو مدرسة إدارة النظام بدل تغييره. هذه المدرسة- النهج التي يقودها رئيس مجلس النواب الحالي نبيه بري تعتبر نفسها واقعية. فلا هي تبنت خطاب الدولة، ولا منطق القوة المتفلتة، بل عملت على تثبيت موقع الشيعة داخل النظام الطائفي.
المقاربة التي تعتمدها هذه المدرسة تحمل تناقضًا بنيويًا : تحمي الحضور الشيعي في السلطة لكنها تكرس في الوقت نفسه تسخير الميثاقية أداة للتعطيل، وتاليا لا تعيد بناء الدولة. ولقد أثبتت هذه المدرسة قابليتها للاستمرار في زمن الاستقرار وأثبتت أيضا هشاشتها في زمن الحروب.
تجاه هذا الاختلاف الكامن والتقية المغلفة بعباءة استهداف الطائفة، يدور الصراع الحقيقي في البيئة الشيعية على تعريف لبنان نفسه: هل هو دولة مواطنة؟ أم ساحة في محور إيران؟ أو نظام إدارة الطائفة؟. الخطير أن هذه النماذج لم تعد نظرية، بل تحولت إلى وقائع وأسئلة مصيرية خصوصا في ظل الحرب الدائرة. فالتوازن الحالي ينذر بتآكل الدولة من الداخل، يقوي الطوائف، يربط القرار بالخارج ويؤدي الى انهيار تدريجي للدولة، لا عبر حرب أهلية، بل عبر تفريغ المؤسسات من مضمونها.
في الخلاصة، يكشف التباين بين المدارس-النماذج عن صراع عميق داخل الطائفة الشيعية في لبنان ينعكس على مستقبل لبنان: هل يتجه نحو إعادة بناء الدولة، أم نحو تكريس واقع تعدد السلطات؟











03/26/2026 - 08:29 AM





Comments