الفاتيكان يكسر الصمت: الجنوب المسيحي خطّ أحمر… وحماية الوجود باتت معركة هوية للبنان والشرق

03/26/2026 - 07:59 AM

A

 

 

 

 

الخوري الدكتور نبيل مونس *

في ظلّ التصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل على القرى الجنوبية اللبنانية، ولا سيما تلك التي تضمّ وجوداً مسيحياً تاريخياً في القليعة، رميش، عين إبل، دبل، والبلدات المحيطة، برزت في الأسابيع الأخيرة حركة دبلوماسية - كنسية غير مسبوقة تقودها حاضرة الفاتيكان عبر السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا، وبتوجيه مباشر من البابا لاوون الرابع عشر. هذه الحركة لم تأتِ في سياق ردّ فعل ظرفي، بل في إطار رؤية متكاملة يعتبر فيها الكرسي الرسولي أنّ حماية الوجود المسيحي في الشرق ليست مسألة دينية فحسب، بل قضية إنسانية، حضارية، وسيادية ترتبط باستقرار لبنان وهويته ودوره التاريخي.

وقد علمت بيروت تايمز من مصادر كنسية ودبلوماسية أنّ الفاتيكان يتعامل مع التطورات في الجنوب بوصفها "لحظة مفصلية" قد تحدّد مستقبل التنوّع اللبناني، في ظلّ مخاوف من موجات نزوح جديدة، وتغييرات ديموغرافية قسرية، وتهديد مباشر للقرى المسيحية الواقعة على تماس مع خطوط النار.

زيارة السفير البابوي… رسالة تتجاوز الإغاثة

في خطوة لافتة حملت أبعاداً إنسانية وسياسية وروحية، وجّه السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا، بإيعاز من البابا لاوون الرابع عشر وإشراف مباشر من حاضرة الفاتيكان، إلى البلدات والقرى الجنوبية الواقعة على الشريط الحدودي المباشر بين لبنان وإسرائيل، ومعه كمّية من المساعدات الغذائية والطبية والمواد الإغاثية، يؤكّد التزام الكرسي الرسولي بالثوابت الآتية:

أ - وحدة لبنان أرضاً وشعباً ومؤسسات.

ب - الحفاظ على التنوُّع الديني والطائفي في هذا الوطن.

ج - التجذّر في الأرض تلازماً مع الانتشارية المسيحية على امتداد الجغرافيا اللبنانية.

د - رفض أي صيغة بديلة من صيغة العيش المشترك بين اللبنانيِّين.

هـ - لا اعتراف بأي مشروع خارج مشروع الدولة في إطار دولة لبنان الكبير التي كان البطريرك الماروني الثاني والسبعون إلياس بطرس الحويك من كبار مؤسسيها وداعميها.

هذه الثوابت، كما تؤكد مصادر الفاتيكان، ليست مجرّد مبادئ عامة، بل إطار عمل يوجّه كل تحرّك دبلوماسي أو رعوي في لبنان، خصوصاً في المناطق التي تواجه تهديدات وجودية.

زيارة ميدانية محفوفة بالمخاطر

لم تكن زيارة السفير البابوي إلى القرى الحدودية مجرّد جولة تفقدية. فقد دخل بورجيا إلى مناطق لا تزال تتعرّض لقصف متقطّع، ووقف بين الأهالي في مراكز الإيواء، والمدارس التي تحوّلت إلى ملاجئ، والكنائس التي فتحت أبوابها لاستقبال النازحين.

وقد نقلت مصادر محلية لـ بيروت تايمز أنّ مشهد السفير البابوي وهو يوزّع المساعدات بيديه، ويستمع إلى شكاوى الأهالي، ترك أثراً بالغاً في نفوس السكان الذين شعروا بأنّ “العالم لم ينسهم”.

الاعتداءات الإسرائيلية… استهداف مباشر للنسيج الاجتماعي

منذ بداية التصعيد، طالت الاعتداءات الإسرائيلية منازل، طرقات، أراضٍ زراعية، ومحيط كنائس وأديرة في عدد من القرى المسيحية. ورغم أنّ إسرائيل تقول إنها تستهدف مواقع عسكرية، إلا أنّ الواقع الميداني – كما وثّقته فرق الإغاثة – يشير إلى أضرار واسعة في المناطق السكنية.

القرى المسيحية في دائرة النار

-      القليعة: شهدت موجات نزوح متكررة، وتضرّرت منازل عديدة في الأحياء القريبة من الكنيسة.

-      رميش: تعرّضت أطراف البلدة لقصف مباشر، ما أدى إلى إصابات وأضرار في البنى التحتية.

-      عين إبل ودبل: تضرّرت طرقات رئيسية، ما صعّب وصول فرق الإسعاف والإغاثة.

وتشير مصادر أمنية إلى أنّ بعض الاعتداءات وقعت على مسافة أمتار قليلة من مراكز رعوية، ما أثار مخاوف من استهداف غير مباشر للوجود المسيحي في المنطقة.

الفاتيكان… دبلوماسية هادئة، ولكن حاسمة

منذ بداية الأزمة، كثّفت حاضرة الفاتيكان اتصالاتها مع الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وعدد من العواصم المؤثرة، مطالبة بوقف استهداف المدنيين، وفتح ممرات آمنة للمساعدات، وضمان عدم تكرار سيناريوهات التهجير التي شهدها الجنوب في مراحل سابقة.

رسائل البابا لاوون الرابع عشر

وفق معلومات حصلت عليها بيروت تايمز، وجّه البابا لاوون الرابع عشر رسائل مباشرة إلى:

-      الأمين العام للأمم المتحدة

-      رئيس الجمهورية الفرنسية

-      الإدارة الأميركية

-      البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي

وتضمنت الرسائل تأكيداً على أنّ "المسيحيين في الجنوب ليسوا أقلية تحتاج إلى حماية، بل مكوّن أصيل من الهوية اللبنانية، وأي تهديد لهم هو تهديد للبنان كله".

البطريرك الماروني

البطريرك بشارة الراعي، من جهته، أجرى سلسلة اتصالات مع مسؤولين لبنانيين ودوليين، محذّراً من فراغ أمني خطير في القرى المسيحية، ومشدّداً على ضرورة تحييد المدنيين عن أي مواجهة عسكرية.

كما أوفدت بكركي عدداً من الأساقفة إلى الجنوب لتقديم الدعم الروحي والإنساني، في خطوة اعتبرتها مصادر كنسية “تكاملاً مع الجهد الفاتيكاني”.

البعد السياسي - السيادي للتحرك الفاتيكاني

لا يمكن قراءة التحرك الفاتيكاني بمعزل عن السياق السياسي اللبناني. فالثوابت التي أعلنها السفير البابوي تعكس موقفاً واضحاً:

-      رفض أي مشروع خارج إطار الدولة

-      التشبّث بلبنان الكبير

-      التأكيد على العيش المشترك

وهذه الرسائل، وفق محللين تحدّثوا لـ بيروت تايمز، موجّهة إلى الداخل اللبناني بقدر ما هي موجّهة إلى الخارج. فالفاتيكان يرى أنّ أي خلل في التوازن اللبناني سيؤدي إلى انهيار النموذج الفريد الذي يمثله لبنان في الشرق.

الأهالي… بين الصمود والخوف

رغم القصف والنزوح، لا يزال العديد من سكان القرى المسيحية متمسكين بأرضهم.  لكن هذا الصمود لا يخفي القلق المتزايد من:

-      استمرار الاعتداءات

-      غياب الدولة عن المشهد

-      ضعف البنى التحتية

-      الخوف من تهجير جديد

ويؤكد الأهالي أنّ وجود السفير البابوي بينهم أعاد شيئاً من الطمأنينة.

ماذا يريد الفاتيكان؟

وفق مصادر دبلوماسية مطلعة، يسعى الفاتيكان إلى تحقيق ثلاثة أهداف أساسية:

1. حماية الوجود المسيحي في الجنوب

ليس عبر الحماية العسكرية، بل عبر الضغط الدولي، والدعم الإنساني، وتثبيت السكان في أرضهم.

2. منع تغيير ديموغرافي قسري

الفاتيكان يعتبر أنّ أي تهجير جديد سيؤدي إلى خلل خطير في التوازن اللبناني.

3. دعم الدولة اللبنانية

من خلال التأكيد على أنّ الحل الوحيد هو تقوية مؤسسات الدولة، وليس أي بديل آخر.

الجنوب ليس وحيداً

في لحظة تبدو فيها الدولة اللبنانية غائبة، والحدود مشتعلة، والناس بين النزوح والصمود، يأتي التحرك الفاتيكاني ليقول إنّ الجنوب - بكل مكوّناته - ليس متروكاً. فالبابا لاوون الرابع عشر، عبر سفيره في لبنان، يرسل رسالة واضحة:

لبنان ليس مجرد بلد، بل رسالة والجنوب ليس مجرد جغرافيا، بل ذاكرة وهوية ووجود.

 

* الخوري الدكتور نبيل مونس هو كاهن ماروني لبناني يُعرَف بحضوره الروحي واللاهوتي والإعلامي، وبخدمته الرعوية في لبنان والاغتراب. يتميّز بأسلوبه الهادئ والعميق في تقديم التعليم المسيحي، وبقدرته على الجمع بين البعد الروحي والفكري في رسالته الكهنوتية. يعرف في رسالته على المحبة، الرجاء، المصالحة، والعودة إلى جوهر الإنجيل، ويُعتبر من الكهنة الذين يتركون أثرًا روحيًا لدى المؤمنين.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment