النائب السابق إيلي كيروز:
في عيد القديس مارون ومن عمق المحنة التي تعصف بنا أود أن أتوجه الى الموارنة في لبنان وفي العالم لنستعيد في مفترقٍ خطيرٍ الثوابت المارونية التاريخية وثبات الموارنة عليها منذ مئات السنين.
أولاً: إن المارونية هي رسالة تحرير مشرقية في اللاهوت والسياسة كما هي دينامية تطور وصيرورة لأن الماروني لا يحقق ذاته إلا بقدر ما يسمو بإنسانيته والسمو في الإنسانية هو تلاقٍ مع كل إنسان في هذه البقعة من العالم.
ثانياً: لقد شكّلت المارونية في بيئتها الواسعة تلك الظاهرة الفريدة في تاريخ الشرق المتقلب والصاهر للأوطان وهي التي أحدثت أهم إنقلابين في محيطها المشرقي على المستوى الإجتماعي والحضاري، الوطن التعددي الحر والمستقل والإنسان المنفتح على الحضارات ولقد مهّدت لقيام وطنٍ تعدّديٍ تشاركيٍ في قلب الإمبراطورية العثمانية.
ثالثاً: لقد شكّلت المارونية في التاريخ إلتزاماً نضالياً خاصاً فكوّنت مجتمعاً شاملاً لا حصرياً لا يرفض الغير لأنه مختلف بل يفتش عنه لأنه مختلف كما أنها إعتبرت الوحدة في التنوّع ثراءً للإنسان وأن كل ما هو إنساني لا يجب أن يكون غريباً عنها.
رابعاً: لقد إستطاع الموارنة بهذه الطريقة ومع الزمن أن يحققوا ما حلموا به أي الوطن التعدّدي الحرّ والمستقل والإنسان المنفتح والمُطل على الحضارة العالمية . لقد أدخل الموارنة نظرتهم الجديدة الى الأرض ونظرة أخرى جديدة هي الوطن. لقد جاؤوا بشيءٍ جديدٍ إلى الشرق الذي لم يعرف منذ سرجون الأكادي وحتى السلطان عبد الحميد غير فكرة الإمبراطورية الأممية التي تذوّب الشخص في إطارها العقائدي وتذوّب الارض في مداها الإمبريالي. لقد أراد الموارنة نقيضاً للإمبراطوريات أكانت دينية او سياسية جاءت من الشرق أو من الغرب جاءت وتوجهوا عكسها وبدأوا برحلة جديدة لإكتشاف أرض وتعمير وطن . وبدأوا منذ القرن التاسع عشر بإبتكار الأفكار والمفاهيم لإقامة ملكوت إنسان وحرية ومساواة في ظل نظام إجتماعي ومدني وسياسي وقانوني لا يميز تمييزاً سلبياً بين المواطنين .
خامساً: ومع التحولات الكبرى وعند إشتداد المظالم وكثرة إلاضطهاد تميَّز الرّد الماروني بالرفض ، رفض الأمر الواقع ورفض التنازل عن لغتهم و حضارتهم وآثروا التخلي عن كل شيء في سبيل المحافظة على إيمانهم وحريتهم ولقد إستطاع الموارنة أن يصمدوا بمقاومتهم وأن يتسمّروا مع صخور لبنان وأن يستمرّوا في البقاء بالرغم من تقلّبات الدهر والتاريخ والمصير.
سادسأ: إن لبنان الحديث قد حمل عن وعيٍ رسالة الموارنة بحسب المؤرّخ د. كمال الصليبي الذي قال ” أن الموارنة الذين تمكنوا عبر العصور وهم الشعب الصغير من المحافظة على هويتهم التاريخية عن طريق الثبات في الموقف والكفاح المستمر ضد الجور والتعلم من الأخطاء و الحكمة في إنتقاء الأصدقاء والحلفاء والإستعداد للتفاهم مع الغير والوفاء لكل من مدّ إليهم يوماً يد المساعدة ، تمكنوا في الوقت ذاته دون سابق تصوّر أو تصميم من المحافظة على حق الانسان في الحرية والعيش الكريم ومن المساهمة في خلق وطن يضمن هذا الحق لأبنائه والجمهورية اللبنانية التي تجمع اليوم بين اللبنانيين على إختلاف مذاهبهم ونزعاتهم تستمر عن وعيٍ في حمل الرسالة التي حملها الموارنة في الماضي تلقائياً وقد تأتي ظروف تسمح للبنانيين بأن ينقلوا هذه الرسالة إلى غيرهم.
سابعاً : أن الموارنة مطالبون اليوم بالعودة إلى ثوابتهم و بإستعادة بوصلة وجودهم و بإستكمال النضال في مواجهة الإمبراطوريات الجديدة والإحتلالات الجديدة و الافكار الظلامية من أجل إنقاذ لبنان الوطن والمجتمع والدولة الذي رسّخته الأحداث والتطورات كمشروع سياسي للإنسان والحرية.











03/25/2026 - 13:31 PM





Comments