من أسر الأيديولوجيا إلى فكر عربي جديد

03/25/2026 - 10:17 AM

Bt adv

 

 

 

رشيد ج. مينا

أين تكمن المشكلة اليوم؟ ولماذا الإصرار على تبنّي أيديولوجيات قومية أو أممية سقطت عند أول اختبار عملي؟ لقد حمل كثيرون شعارات التحرر والحرية، وخاضوا المعارك، ووصلوا إلى مواقع الحكم، لكن النتيجة كانت صادمة:

دعاة الحرية تحوّلوا إلى سلطات قمع، ومنادون بالديمقراطية مارسوا أبشع صور الدكتاتورية، وحَمَلة لواء التعددية والحريات العامة أصبحوا في السلطة أبطالًا للإقصاء حتى أقصى حدوده.

لقد سقطت أنظمة، وتغيّر العالم، وتطورت الوسائل، لكن هؤلاء ظلوا سجناء أطر أيديولوجية وموروث سياسي فاشل، عاجزين عن تحويل شعاراتهم إلى واقع معاش. لقد كشف الواقع تناقضًا صارخًا بين النظرية والتطبيق، وبين الخطاب الطموح والفهم العميق لاحتياجات المجتمع وكيفية قيادته ديمقراطيًا نحو تحقيق الأهداف.

الحاجة اليوم ليست إلى مراجعة شكلية، بل إلى مغادرة نهائية لسجون الأيديولوجيا والممارسات والأساليب التي أثبتت التجارب سقوطها. نحن بحاجة إلى توليد فكر عربي جديد، لا يفرض هوية بديلة أو انتماءً مصطنعًا، بل يعزز الهوية العربية الأصيلة الضاربة جذورها في أعماق الجغرافيا والتاريخ، ويقوّيها إيماننا الديني، وينسجم معها الانتماء إلى أوطاننا الصغيرة دون أن يتناقض مع الانتماء إلى وطننا العربي الكبير.

الضعف يبدأ حين يتخلخل هذا الانتماء، وحين نغترب عن هويتنا العربية. لذلك نحن بحاجة إلى فكر عربي حضاري يقوم على الحرية الحقيقية، والممارسة الديمقراطية الصادقة، والوعي العميق، والرؤية الجماعية التشاركية، بعيدًا عن التفرقة والأنانية والتبعية، وعن كل الموروثات الأيديولوجية والسياسية التي قادت أوطاننا وأمتنا إلى الضعف والانهيار وضياع البوصلة والقيم.

صحيح أن قضية فلسطين تبقى وجهة النضال التحرري العربي، لكن من دون تحرر العقول والمجتمع، ومن دون بناء اقتصادات قوية قادرة على تأمين مقومات الثَّبات والحياة الكريمة، تتحول القضية إلى عنوان لاستهلاك الطاقات واستثمار الدَّم لتحقيق مكاسب وأهداف لا تمت إليها ولا إلى مصالح العرب بصلة.

إن التحرر الحقيقي يبدأ من العقل، ومن جرأة الاعتراف بأن ما سقط بالتجربة لا يمكن بعثه بالشعارات. المستقبل العربي المنشود لن يولد من رحم الانقسامات والموروثات الميتة، بل من وعي جديد يزاوج بين الإيمان والحرية، بين الانتماء الوطني والقومي، ويصنع نهضة تصون كرامة الإنسان وتعيد للأمة مكانتها.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment