الخوري الدكتور نبيل مونس *
ثماني وستون عامًا ولبنان يسير في درب الآلام، يعبر من جرح إلى جرح، ومن محنة إلى أخرى، كأن القدر يختبر صبره على صليب التاريخ. ومع ذلك، تبقى الأرض التي مرّ عليها يسوع في جنوبنا أرضًا مكرّسة، مطبوعة بخطى المعلّم الإلهي، شاهدة على حضورٍ لا يزول.
لم يعرف التاريخ معلّمًا جلس على صخرة ليكشف أسرار الملكوت كما فعل يسوع الجليلي. ولم يلتقِ إيمانًا أنقى من إيمان المرأة الكنعانية، ابنة صور وصيدا، التي اخترقت بصراخها أبواب السماء. ولم يشهد تجلّيًا أعظم من تجلّي الرب على جبل حرمون، حيث انفتحت السماوات وانسكب النور على الأرض. وتبقى قانا الجليل سرًّا لا يُستنفد: عرسٌ تحوّل فيه الماء إلى خمر، علامة على العهد الجديد، وعلى اتحاد الله بالإنسان في مشروع محبة لا ينكسر.
في عيد البشارة، ارتفعت كلمة مريم فوق صمت القرون. قالت “نعم”، فانفتح الزمن على الأبدية، ودخل الكلمة إلى العالم، وصار الله جسدًا يسكن بين البشر. من تلك اللحظة، انحنى الحنان الإلهي على الخليقة، وتجذّرت البركة في التراب، وارتفع الرجاء فوق الخطيئة. النور الذي دخل أحشاء مريم، دخل معها إلى أحشاء العالم الجريح، فصار رحمها باب الخلاص، وصارت هي أمّ النور.
لذلك، في هذا اليوم المقدّس، لنتجرّأ على كلمة السلام، ولنقل في عمق قلوبنا: نعم للمشيئة الإلهية. للنور نعم الذي يبدّد الظلمة، للسلام نعم الذي يغلب العنف، للرجاء نعم الذي ينتصر على اليأس.
إن الجَنُوب المريمي، أرض البشارة الأولى، ما زال ينتظر كلمة إيمان، كلمة نقولها مع مريم، أمّ المخلّص: إن الخلاص يبدأ في الوداعة، ويُصنع في الصمت، ويمتدّ من لبنان إلى أقاصي الأرض. فلنعد إلى قلب مريم الطاهر، حاملين رجاءً جديدًا، وأملًا لا ينكسر، مؤمنين أن النعمة التي ظلّلتها لن تتخلّى عنّا.
السلام عليكِ يا مريم، يا أمّ النور، يا سلطانة الجبال والبحار، ويا حامية لبنان العزيز.
* الخوري الدكتور نبيل مونس هو كاهن ماروني لبناني يُعرَف بحضوره الروحي واللاهوتي والإعلامي، وبخدمته الرعوية في لبنان والاغتراب. يتميّز بأسلوبه الهادئ والعميق في تقديم التعليم المسيحي، وبقدرته على الجمع بين البعد الروحي والفكري في رسالته الكهنوتية. يعرف في رسالته على المحبة، الرجاء، المصالحة، والعودة إلى جوهر الإنجيل، ويُعتبر من الكهنة الذين يتركون أثرًا روحيًا لدى المؤمنين.











03/25/2026 - 09:38 AM





Comments