سيلفانا سمعان
ساذج من يظن أن هدف الولايات المتحدة هو ضرب إيران وحدها. وساذج من يظن أن أمريكا تضرب إيران لأن إسرائيل تريد ذلك. إيران مجرد الساحة الأولى. من يخطئ في قراءة العمق الاستراتيجي للمشهد، يغفل أن ما يجري في الخليج وإيران ليس صراعًا ثنائيًا أو حدثًا عابرًا، بل طبقات متراكبة من الصراعات: حرب إقليمية تُدار بالوكالة، صراع على التحكم في مسارات الطاقة، وصراع على القدرة على التأثير في أكبر الاقتصاديات العالمية، وفي مقدمتها الصين.
إيران ليست مجرد هدف، ولا مجرد ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى، بل نقطة ارتكاز ضمن معادلة دولية تُعيد تعريف النفوذ والضغط والسيطرة على الاقتصاد العالمي. من يضبط هذه النُّقَط، لا يسيطر على دولة بعينها، بل على توازنات تتجاوز الإقليم، وتعيد رسم قواعد اللعبة العالمية. من هنا، لا نسأل عن لماذا تُستهدف إيران؟ فقط، بل عن الدور الحقيقي الذي تلعبه كل قوة، وكيف تُدار هذه الحرب متعددة المستويات لتحقيق أهداف أوسع بكثير من مجرد صراع إقليمي.
ما يحدث في الشرق الأوسط، هو تراكب حروب، كل واحدة تعمل ضمن مستوى مختلف، لكنها تلتقي جميعها فوق الجغرافيا نفسها.
الحرب الأولى، وهي الأكثر وضوحًا، هي حرب إقليمية مفتوحة لكن مضبوطة الإيقاع.
إسرائيل لا تخوض مواجهة عبثية، بل تعمل وفق عقيدة واضحة: ضرب التهديد قبل أن يكتمل. هدفها ليس احتلال الشرق الأوسط، بل منع تشكّل قوة موازية تقوّض تفوقها العسكري. إيران تتحرك كشبكة نفوذ عابرة للحدود، يقودها الحرس الثوري الإيراني، وتتمدّد عبر أدواتها، من حزب الله في لبنان إلى ساحات أخرى. وهذا هو جوهر الاستراتيجية: حرب غير مباشرة تُدار عبر وكلاء، تسمح بالتصعيد من دون الانفجار الشامل.
لكن هذه الحرب، رغم شدتها، ليست سوى الطبقة الأولى.
تحتها مباشرة، تدور حرب ثانية أقل صخبًا وأكثر تأثيرًا: حرب النفوذ على الخليج.
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، الشرق الأوسط لا يُقاس بحجمه الجغرافي، بل بوزنه في معادلة الطاقة. هنا، لا يكون الهدف السيطرة المباشرة على النفط، بل السيطرة على شروط تدفقه: حماية الممرات البحرية، تثبيت قواعد الاشتباك، ومنع أي طرف من تحويل الطاقة إلى سلاح خارج هذا النظام. عبر مضيق هرمز وحده يمر نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعله نقطة خنق استراتيجية بامتياز. في هذا المستوى، تصبح إيران مشكلة أمريكية ليس فقط بسبب برنامجها أو نفوذها، بل لأنها تملك القدرة ولو نظريًا على تهديد هذا الشريان. لكن المفارقة أن واشنطن لا تحتاج إلى إغلاقه، بل يكفي أن يبقى تحت التهديد. فمجرد ارتفاع المخاطر في الخليج ينعكس فورًا على الأسعار، ويُدخل الاقتصاد العالمي في حالة توتر دائم.
وهنا نصل إلى الطبقة الثالثة، وهي الأخطر: الحرب الكبرى غير المعلنة مع الصين.
الصين، التي تعتمد على الخارج لتأمين ما يقارب سبعين إلى خمسة وسبعين في المئة من احتياجاتها النفطية، تجد نفسها مرتبطة بشكل عميق باستقرار الخليج. جزء من هذا النفط يأتي بشكل مباشر، وجزء آخر يصل عبر قنوات ملتوية، بما في ذلك الإمدادات المرتبطة بإيران. من هنا، لا يعود التوتر في الخليج حدثًا إقليميًا، بل أداة ضغط ضمن صراع عالمي. فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى قطع النفط عن الصين حتى تُضعفها، يكفي أن تجعل تدفقه هشًا، مكلفًا، ومعرّضًا للاضطراب. في عالم الاقتصاد، عدم اليقين أحيانًا أخطر من الانقطاع الكامل.
ما يجري هو تراكب معقّد لهذه الحروب الثلاث، حيث تغذّي كل واحدة الأخرى.
في هذا المشهد، لا تبدو إيران ضحية بريئة، ولا قوة مطلقة. هي لاعب يملك مشروعه الخاص، يستخدم أدواته بفعالية، ويرفض الخضوع، لكنه في الوقت نفسه يتحرك ضمن هامش تفرضه توازنات أكبر منه. وكذلك إسرائيل، التي تقاتل لتثبيت تفوقها، من دون أن تكون قادرة على رسم النظام الإقليمي وحدها. أما الولايات المتحدة، فهي لا تدير حربًا واحدة، بل شبكة صراعات هدفها النهائي الحفاظ على نظام عالمي يمنع أي قوة وفي مقدمتها الصين من كسر قواعده.
ما يوجد ليس اتفاقًا سريًا لتوزيع النفوذ، بل تقاطع مصالح عميق: كل طرف يقاتل حربه الخاصة، لكن النتائج تتلاقى في نقطة واحدة.
الشرق الأوسط، في هذه المعادلة، لم يعد مجرد ساحة صراع، بل أداة في صراع أكبر. والخليج لم يعد فقط مصدر طاقة، بل مفتاح ضغط. أما إيران، فليست الهدف النهائي، بل العقدة التي تتقاطع عندها هذه الحروب جميعًا. لهذا، لا تنتهي الأزمات هنا، ولا تُحسم. لأن المطلوب ليس الانتصار… بل إبقاء اللعبة مفتوحة.
وعند هذه النقطة تحديدًا، لا يعود وقف إطلاق النار مجرد حدث، بل يتحوّل إلى اختبار حقيقي لمعنى ما يجري.
هل يخدم هذا الهدوء تثبيت توازن قائم، أم إعادة ترتيب مرحلة أكثر خطورة؟
وهل هو مصلحة طرف بعينه، أم ضرورة تفرضها حسابات أكبر من الجميع؟
وهل يُستخدم لإعادة توزيع أوراق الصراع، أم لإعادة التموضع داخل معادلة لم تصل بعد إلى ذروتها؟











03/25/2026 - 09:25 AM





Comments