العدالة بين الإنسان والآلة‎

03/24/2026 - 16:21 PM

Atlantic home care

 

 

د. محمود محمد المصري 
 
تخيل معي قاعة محكمة جنائية يعتلي منصتها قاض روبوت، ينظر في قضية قتل، يستمع إلى دفوع الدفاع واتهامات النيابة، ويحلل الأدلة وشهادات الشهود عبر شاشات ذكية لا تخطئ ولا تتعب. يقارن الوقائع بنصوص قانون العقوبات في لحظات، ويستدعي آلاف السوابق القضائية بضغطة واحدة.
 
وفى هذا السياق، تبادر إلى ذهني عدة تساؤلات ينبغي الإجابة عليها: وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفهم إنسانًا كنبرة الندم فى صوت متهم، لا مجرد نص قانوني؟ ولماذا لا نسمح بدخول الذكاء الاصطناعي إلى ساحة القضاء؟ وكيف نشرك الخوارزميات في صناعة الأحكام القضائية؟
 
القضاء، في جوهره، رسالة قبل أن يكون وظيفة، وضمير قبل أن يكون نصًا. فالقاضي لا يطبق القانون فحسب، بل يقرأ ما بين السطور، ويوازن بين النص وروحه، وبين الواقعة وظروفها، وبين ظاهر الأدلة وخفايا المقاصد. ومن ثمّ فإن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى محراب العدالة قد يصطدم بطبيعة العدالة ذاتها، بما تحمله من نية وروح وإنسانية لا تتوافر في الآلة مهما بلغ حجم ذكائها.
 
غير أنه لا ينبغي أن ننحصر في مسارين متقابلين كما ينادي البعض: إما قاضٍ بشري أو آلة تحكم. فالتجربة العالمية تشير إلى مسار ثالث أكثر اتزانًا، يقوم على توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة، لا كبديل عن منظومة القضاء.
 
في العديد من الأنظمة القضائية المتقدمة، تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل آلاف السوابق القضائية (نظام الانجلو امريكي) خلال ثوان معدودة، واستخراج الأنماط القانونية المتكررة، واقتراح الأحكام المشابهة في قضايا متقاربة. كما تسهم هذه الأنظمة في إدارة القضايا، وتصنيفها، ورصد المتأخر منها، مما يقلل من تكدس المحاكم ويسرع إجراءات التقاضي.
 
بل إن بعض التطبيقات تعتمد على تحليل البيانات التاريخية للتنبؤ باحتمالات نجاح الدعوى أو الطعن، وهو ما يمنح المحامين والمتقاضين رؤية أوضح قبل خوض النزاع. وكل ذلك يحدث دون أن يُنزع القرار من يد القاضي؛ إذ يظل الحكم النهائي صادرًا عنه وحده، دون إحلال روبوت محل القاضي كما يظن البعض.
 
ومع ذلك، تبقى هناك حدود لا ينبغي تجاوزها. فالحكم القضائي لا يقوم على النصوص وحدها، بل على تقدير النية، وفهم السياق الاجتماعي، ومراعاة الظروف المخففة والمشددة، وهي عناصر تتطلب حسًا إنسانيًا وخبرة تراكمية لا تختزلها الأكواد البرمجية.
 
ثم إن العدالة ليست مجرد نتيجة صحيحة منطقياً، بل إحساس مجتمعي بالإنصاف. فهل سيطمئن المتقاضي إلى حكم صدر عن أكواد برمجية؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أخطأت الخوارزمية؟ هل هو المبرمج، أم الجهة التي اعتمدت النظام، أم القاضي الذي استند إليه؟
 
الأخطر من ذلك ما يعرف بالتحيز الخوارزمي؛ إذ إن الأنظمة الذكية تتعلم من البيانات التي تغذى بها، فإذا كانت تلك البيانات تحمل انحيازات فى بعض المواد المدنية عن المواد الجنائية، أو في أنماط أحكام سابقة، فإن النتائج قد تعكس هذه الانحيازات مما يعني أحكام قضائية غير دقيقة مغايرة للشرعية القانونية.
 
ولكي نصل لطريق آمن يضمن نزاهة العدالة، نستعين بمقولة  رجل الأعمال الامريكي، أورين إتزيوني "الذكاء الاصطناعي أداة، والخيار في كيفية استخدامه يعود إلينا." فعلينا عدم إحلال الذكاء الاصطناعي محل القاضي، بل ينبغي تسخير جهود الذكاء الاصطناعي لخدمة العدالة شريطة أن يكون تحت رقابة بشرية صارمة، ولوضعه تحت ضوابط قانونية واضحة، حتى نضمن شفافية ونزاهة الأحكام القضائية.
 
إننا أمام لحظة تاريخية تفرض على المؤسسات القضائية أن تتفاعل مع التطور التقني، تفاعلًا رشيدًا، بحيث ان تميز المؤسسات القضائية بين ما يمكن للآلة أن تصنعه قضائيًا، وما لا يجوز أن تمسه. 
 
فالذكاء الاصطناعي قادر على تسريع الإجراءات، وتحليل البيانات، وتقليل الأخطاء الشكلية، لكنه لا يملك ضميرًا، ولا إحساسًا بالرحمة، ولا إدراكًا لتعقيد النفس البشرية، فكيف تشكل عقيدة المحكمة لاصدار أحكام فى قضايا خطيرة مثل القتل او قضايا تمس أمن الدولة.
 
والقول الفصل: إن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى مجال القضاء لا ينبغي أن يُسقط الدور الإنساني للقاضي، بل يعززه ويدعمه، فتظل سلطة إصدار الأحكام في يد القاضي البشري، وتبقى العدالة فعلًا إنسانيًا قبل أن تكون معادلة رقمية؛ فالآلة قد تعين على الطريق، لكن العدالة في نهاية المطاف مسؤولية القاضي البشري.
 
 
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment