مفاوضات باكستان... هدنة مؤقتة ام صراع دائم ؟

03/24/2026 - 13:58 PM

Arab American Target

 

 

بقلم د. سعيد محمد ابو رحمه 

في خضم التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران، تتكتف الطروحات السياسية التي تحاول رسم ملامح “نهاية ممكنة” لهذا الصراع. غير أن القراءة المتأنية لمجمل الشروط المتبادلة تكشف أن الحديث عن إنهاء الحرب لا يزال أقرب إلى إدارة الصراع منه إلى حسمه.

تقوم الرؤية الأمريكية في جوهرها على مبدأ التفكيك الكامل لمصادر التهديد. فالمطلوب ليس فقط وقف تخصيب اليورانيوم، بل إنهاء البنية التحتية النووية بشكل شبه كامل، إلى جانب تحجيم القدرات الصاروخية وتقليص النفوذ الإقليمي الذي يُنظر إليه في واشنطن كامتداد غير مباشر للقوة الإيرانية. هذه المقاربة تعكس تصورًا استراتيجيًا يعتبر أن أي تسوية لا تؤدي إلى إضعاف جذري للقدرة الإيرانية ستبقى مؤقتة وقابلة للانفجار في أي لحظة.

ومع ذلك تُظهر الولايات المتحدة قدرًا من البراغماتية، إذ لا تضع تغيير النظام في طهران كشرط مسبق. بل تبدو مستعدة لقبول بقاء النظام الإيراني، شريطة أن يتحول إلى نموذج أقل عدائية، وأن يتم تحييد الملف النووي عسكريًا، وحصره في الاستخدامات المدنية الخاضعة للرقابة الدولية. هذه النقطة تحديدًا تكشف أن الهدف الأمريكي ليس إسقاط النظام بقدر ما هو إعادة تشكيل سلوكه.

في المقابل تنطلق إيران من مقاربة مختلفة تمامًا، تقوم على مبدأ الحفاظ على السيادة مقابل تقديم تنازلات محسوبة. فطهران قد تبدي استعدادًا لخفض مستويات التخصيب، وتوسيع نطاق التفتيش الدولي بل وحتى تقديم ضمانات بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي. غير أن هذه التنازلات تبقى ضمن سقف واضح: عدم التخلي الكامل عن البرنامج النووي، باعتباره ورقة سيادية واستراتيجية في آن واحد.

أما على مستوى المطالب فتركز إيران على قضايا تعتبرها وجودية: وقف العمليات العسكرية، رفع العقوبات الاقتصادية، ضمان عدم استهداف النظام سياسيًا أو أمنيًا، والاعتراف بدورها كقوة إقليمية فاعلة. هذه المطالب تعكس إدراكًا إيرانيًا بأن جوهر الصراع لا يكمن فقط في البرنامج النووي، بل في موقع إيران داخل النظام الإقليمي والدولي.

هنا تتجلى المعضلة الحقيقية: الفجوة بين الطرفين ليست تقنية يمكن ردمها عبر تفاهمات مرحلية، بل هي فجوة بنيوية تتعلق بتعريف كل طرف لأمنه القومي. فالولايات المتحدة ترى في إيران تهديدًا يجب تقليصه إلى الحد الأدنى، بينما ترى إيران نفسها لاعبًا إقليميًا يجب الاعتراف به والتعامل معه على هذا الأساس.

هذا التناقض يجعل من أي اتفاق محتمل أقرب إلى هدنة مشروطة منه إلى تسوية نهائية. فحتى في حال التوصل إلى تفاهم، سيبقى قائمًا على توازن هش بين الضغوط والتنازلات، دون معالجة الجذور العميقة للصراع. ومن هنا، فإن ما يُطرح اليوم تحت عنوان نهاية الحرب قد لا يكون سوى إعادة إنتاج للصراع بأدوات أقل حدة، ولكن بذات الدوافع.

 يمكن القول إن المسار الواقعي لا يتجه نحو إنهاء الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، بل نحو إدارته ضمن سقوف جديدة، تُخفض من مستوى الانفجار دون أن تلغيه. وهذا يعني أن المنطقة ستبقى رهينة توازنات دقيقة، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل صراع مفتوح يُعاد تشكيله باستمرار وفق تغير موازين القوى.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment